البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة المائدة · الآية ٤٤

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

كان الرسول صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على الخلق يشتد حزنه لمن يظهر الإيمان، ثم يرجع إلى الكفر، فأرشده الله تعالى، إلى أنه لا يأسى ولا يحزن على أمثال هؤلاء. فإن هؤلاء لا في العير ولا في النفير. إن حضروا لم ينفعوا، وإن غابوا لم يفقدوا، ولهذا قال مبينا للسبب الموجب لعدم الحزن عليهم - فقال: { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } فإن الذين يؤسى ويحزن عليهم، من كان معدودا من المؤمنين، وهم المؤمنون ظاهرا وباطنا، وحاشا لله أن يرجع هؤلاء عن دينهم ويرتدوا، فإن الإيمان - إذا خالطت بشاشته القلوب - لم يعدل به صاحبه غيره، ولم يبغ به بدلا. { ومن الذين هادوا } أي: اليهود { سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } أي: مستجيبون ومقلدون لرؤسائهم، المبني أمرهم على الكذب والضلال والغي. وهؤلاء الرؤساء المتبوعون { لم يأتوك } بل أعرضوا عنك، وفرحوا بما عندهم من الباطل وهو تحريف الكلم عن مواضعه، أي: جلب معان للألفاظ ما أرادها الله ولا قصدها، لإضلال الخلق ولدفع الحق، فهؤلاء المنقادون للدعاة إلى الضلال، المتبعين للمحال، الذين يأتون بكل كذب، لا عقول لهم ولا همم. فلا تبال أيضا إذا لم يتبعوك، لأنهم في غاية النقص، والناقص لا يؤبه له ولا يبالى به. { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } أي: هذا قولهم عند محاكمتهم إليك، لا قصد لهم إلا اتباع الهوى. يقول بعضهم لبعض: إن حكم لكم محمد بهذا الحكم الذي يوافق أهواءكم، فاقبلوا حكمه، وإن لم يحكم لكم به، فاحذروا أن تتابعوه على ذلك، وهذا فتنة واتباع ما تهوى الأنفس. { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } كقوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء وهو أعلم بالمهتدين [القصص: 56]. { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } أي: فلذلك صدر منهم ما صدر. فدل ذلك على أن من كان مقصوده بالتحاكم إلى الحكم الشرعي اتباع هواه، وأنه إن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

آية الرجم! فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما (1) فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة. وأخرجاه (2) وهذا لفظ البخاري. وفي لفظ له: "فقال لليهود: ما تصنعون بهما؟ " قالوا: نسخم وجوههما ونخزيهما. قال: {فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران:93] فجاءوا، فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور: اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، قال: ارفع يدك. فرفع، فإذا آية الرجم تلوح، قال: يا محمد، إن فيها آية الرجم، ولكنا نتكاتمه بيننا. فأمر بهما فرجما. (3) وعند مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود، فقال: "ما تجدون في التوراة على من زنى؟ " قالوا: نسود وجوههما ونحملهما، ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما، قال: {فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} قال: فجاءوا بها، فقرأوها، حتى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها. فقال له عبد الله بن سلام -وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم-: مره فليرفع يده. فرفع يده، فإذا تحتها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه. (4) وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدثنا ابن وهب، حدثنا هشام بن سعد؛ أن زيد بن أسلم حدثه، عن ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم في بيت المدارس، فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلا منا زنى بامرأة، فاحكم قال: ووضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة، فجلس عليها، ثم قال: "ائتوني بالتوراة". فأتي بها، فنزع الوسادة من تحته، ووضع التوراة عليها، وقال: "آمنت بك وبمن أنزلك". ثم قال: "ائتوني بأعلمكم". فأتي بفتى شاب، ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك عن نافع. …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

… عليهم وضياء ما التبس من الحكم {يحكم بها النبيون الذين أسلموا} [المائدة: 44] يقول: " يحكم بحكم التوراة في ذلك: أي فيما احتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه من أمر الزانيين النبيون الذين أسلموا، وهم الذين أذعنوا لحكم الله وأقروا به. وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم في حكمه على الزانيين المحصنين من اليهود بالرجم، وفي تسويته بين دم قتلى النضير وقريظة في القصاص والدية , ومن قبل محمد من الأنبياء يحكم بما فيها من حكم الله. كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا} [المائدة: 44] يعني النبي صلى الله عليه وسلم " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة , قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لما أنزلت هذه الآية: «نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: ثنا رجل، من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة , قال: زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك. قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة، حتى أتى بيت المدراس، فقام على الباب، فقال: «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟» قالوا: يحمم ويجبه ويجلد، والتجبيه: أن يحمل الزانيان على حمار تقابل أقفيتهما، ويطاف بهما، وسكت شاب، فلما رآه سكت ألظ به النشدة، فقال: اللهم إذ نشدتنا، فإنا نجد في التوراة الرجم. فقال …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

أي يتولون عن حكمك في حال ظهور الحجة الواضحة، وهي موافقة حكومتك لحكم التوراة. وجملة وما أولئك بالمؤمنين في موضع الحال من ضمير الرفع في يحكمونك. ونفي الإيمان عنهم مع حذف متعلقه للإشارة إلى أنهم ما آمنوا بالتوراة ولا بالإسلام فكيف يكون تحكيمهم صادقا. وضمير فيها عائد إلى التوراة، فتأنيثه مراعاة لاسم التوراة وإن كان مسماها كتابا ولكن لأن صيغة فعلاة معروفة في الأسماء المؤنثة مثل موماة. وتقدم وجه تسمية كتابهم توراة عند قوله تعالى: وأنزل التوراة والإنجيل في سورة آل عمران [3] . [44] 44] إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (44) لما وصف التوراة بأن فيها حكم الله استأنف ثناء عليها وعلى الحاكمين بها. ووصفها بالنزول ليدل على أنها وحي من الله، فاستعير النزول لبلوغ الوحي لأنه بلوغ شيء من لدن عظيم، والعظيم يتخيل عاليا، كما تقدم غير مرة. والنور استعارة للبيان والحق، ولذلك عطف على الهدى، فأحكامها هادية وواضحة، والظرفية. حقيقية، والهدى والنور دلائلهما. ولك أن تجعل النور هنا مستعارا للإيمان والحكمة، كقوله: يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 132] ،

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٠٧) ↗