سورة المائدة · الآية ٣٤
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
المحاربون لله ولرسوله، هم الذين بارزوه بالعداوة، وأفسدوا في الأرض بالكفر والقتل، وأخذ الأموال، وإخافة السبل. والمشهور أن هذه الآية الكريمة في أحكام قطاع الطريق، الذين يعرضون للناس في القرى والبوادي، فيغصبونهم أموالهم، ويقتلونهم، ويخيفونهم، فيمتنع الناس من سلوك الطريق التي هم بها، فتنقطع بذلك. فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم - عند إقامة الحد عليهم - أن يفعل بهم واحد من هذه الأمور. واختلف المفسرون: هل ذلك على التخيير، وأن كل قاطع طريق يفعل به الإمام أو نائبه ما رآه المصلحة من هذه الأمور المذكورة؟ وهذا ظاهر اللفظ، أو أن عقوبتهم تكون بحسب جرائمهم، فكل جريمة لها قسط يقابلها، كما تدل عليه الآية بحكمتها وموافقتها لحكمة الله تعالى. وأنهم إن قتلوا وأخذوا مالا تحتم قتلهم وصلبهم، حتى يشتهروا ويختزوا ويرتدع غيرهم. وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا تحتم قتلهم فقط. وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا تحتم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، اليد اليمنى والرجل اليسرى. وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا، ولا أخذوا مالا، نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون في بلد حتى تظهر توبتهم. وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وكثير من الأئمة، على اختلاف في بعض التفاصيل. { ذلك } النكال { لهم خزي في الدنيا } أي: فضيحة وعار { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } فدل هذا أن قطع الطريق من أعظم الذنوب، موجب لفضيحة الدنيا وعذاب الآخرة، وأن فاعله محارب لله ولرسوله. وإذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة، علم أن تطهير الأرض من المفسدين، وتأمين السبل والطرق، عن القتل، وأخذ الأموال، وإخافة الناس، من أعظم الحسنات وأجل الطاعات، وأنه إصلاح في الأرض، كما أن ضده إفساد في الأرض. { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } أي: من هؤلاء المحاربين، { فاعلموا أن الله غفور رحيم } أي: فيسقط عنه ما كان لله، من تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ومن حق الآدمي أيضا، إن كان المحارب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
[جميعا] (1) وهكذا قال مجاهد: {ومن أحياها} أي: كف عن قتلها. وقال العوفي عن ابن عباس، في قوله: {فكأنما قتل الناس جميعا} يقول: من قتل نفسا واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعا. وقال سعيد بن جبير: من استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعا، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعا. هذا قول، وهو الأظهر، وقال عكرمة والعوفي، عن ابن عباس [في قوله: {فكأنما قتل الناس جميعا} يقول] (2) من قتل نبيا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن شد على عضد نبي أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعا. رواه ابن جرير. وقال مجاهد في رواية أخرى عنه: من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا؛ وذلك لأنه من قتل النفس فله النار، فهو كما لو قتل الناس كلهم. وقال ابن جريج (3) عن الأعرج، عن مجاهد في قوله: {فكأنما قتل الناس جميعا} من قتل النفس المؤمنة متعمدا، جعل الله جزاءه جهنم، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له عذابا عظيما، يقول: لو قتل الناس جميعا لم يزد على مثل ذلك العذاب. قال ابن جريج: قال مجاهد {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} قال: من لم يقتل أحدا فقد حيي الناس منه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: من قتل نفسا فكأنما قتل الناس [جميعا] (4) يعني: فقد وجب عليه القصاص، فلا (5) فرق بين الواحد والجماعة {ومن أحياها} أي: عفا عن قاتل وليه، فكأنما أحيا الناس جميعا. وحكي ذلك عن أبيه. رواه ابن جرير. وقال مجاهد -في رواية-: {ومن أحياها} أي: أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة. وقال الحسن وقتادة في قوله: {أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} هذا تعظيم لتعاطي القتل -قال قتادة: عظم والله وزرها، وعظم والله أجرها. وقال ابن المبارك، عن سلام بن مسكين، عن سليمان بن علي الربعي قال: قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد، كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الإيمان من قبل قدرة المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي جعلها الله جزاء لمن حاربه ورسوله وسعى في الأرض فسادا , من قتل، أو صلب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفي من الأرض، فلا تباعة قبله لأحد فيما كان أصاب في حال كفره وحربه المؤمنين في مال ولا دم ولا حرمة قالوا: فأما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلن تضع توبته عنه عقوبة ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين الله، وعلى الإمام إقامة الحد الذي أوجبه الله عليه وأخذه بحقوق الناس
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٣٩١) ↗التحرير والتنوير
ليس من مقدور الناس، أي ومن اهتم باستنقاذها والذب عنها فكأنما أحيى الناس جميعا بذلك التوجيه الذي بيناه آنفا، أو من غلب وازع الشرع والحكمة على داعي الغضب والشهوة فانكف عن القتل عند الغضب. ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون. تذييل لحكم شرع القصاص على بني إسرائيل، وهو خبر مستعمل كناية عن إعراضهم عن الشريعة، وأنهم مع ما شدد عليهم في شأن القتل ولم يزالوا يقتلون، كما أشعر به قوله بعد ذلك، أي بعد أن جاءتهم رسلنا بالبينات. وحذف متعلق «مسرفون» لقصد التعميم. والمراد مسرفون في المفاسد التي منها قتل الأنفس بقرينة قوله: في الأرض، فقد كثر في استعمال القرآن ذكر في الأرض [البقرة: 60] مع ذكر الإفساد. وجملة ثم إن كثيرا منهم عطف على جملة ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات. و (ثم) للتراخي في الرتبة، لأن مجيء الرسل بالبينات شأن عجيب، والإسراف في الأرض بعد تلك البينات أعجب. وذكر في الأرض لتصوير هذا الإسراف عند السامع وتفظيعه، كما في قوله تعالى: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها [الأعراف: 56] . وتقديم في الأرض للاهتمام وهو يفيد زيادة تفظيع الإسراف فيها مع أهمية شأنها. وقرأ الجمهور رسلنا- بضم السين-. وقرأه أبو عمرو ويعقوب- بإسكان السين-. [33، 34] إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34)
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/١٧٩) ↗