سورة المائدة · الآية ٣١
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
إلى آخر القصة أي: قص على الناس وأخبرهم بالقضية التي جرت على ابني آدم بالحق، تلاوة يعتبر بها المعتبرون، صدقا لا كذبا، وجدا لا لعبا، والظاهر أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، كما يدل عليه ظاهر الآية والسياق، وهو قول جمهور المفسرين. أي: اتل عليهم نبأهما في حال تقريبهما للقربان، الذي أداهما إلى الحال المذكورة. { إذ قربا قربانا } أي: أخرج كل منهما شيئا من ماله لقصد التقرب إلى الله، { فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر } بأن علم ذلك بخبر من السماء، أو بالعادة السابقة في الأمم، أن علامة تقبل الله لقربان، أن تنزل نار من السماء فتحرقه. { قال } الابن، الذي لم يتقبل منه للآخر حسدا وبغيا { لأقتلنك }. فقال له الآخر - مترفقا له في ذلك - { قال إنما يتقبل الله من المتقين } فأي ذنب لي وجناية توجب لك أن تقتلني؟ إلا أني اتقيت الله تعالى، الذي تقواه واجبة علي وعليك، وعلى كل أحد، وأصح الأقوال في تفسير المتقين هنا، أي: المتقين لله في ذلك العمل، بأن يكون عملهم خالصا لوجه الله، متبعين فيه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال له مخبرا أنه لا يريد أن يتعرض لقتله، لا ابتداء ولا مدافعة فقال: { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } وليس ذلك جبنا مني ولا عجزا. وإنما ذلك لأني { أخاف الله رب العالمين } والخائف لله لا يقدم على الذنوب، خصوصا الذنوب الكبار. وفي هذا تخويف لمن يريد القتل، وأنه ينبغي لك أن تتقي الله وتخافه. { إني أريد أن تبوء } أي: ترجع { بإثمي وإثمك } أي: إنه إذا دار الأمر بين أن أكون قاتلا أو تقتلني فإني أوثر أن تقتلني، فتبوء بالوزرين { فتكون من أصحاب النار وذلك جزآء الظالمين } دل هذا على أن القتل من كبائر الذنوب، وأنه موجب لدخول النار. فلم يرتدع ذلك الجاني ولم ينزجر، ولم يزل يعزم نفسه ويجزمها، حتى طوعت له قتل أخيه الذي يقتضي الشرع والطبع احترامه. { فقتله فأصبح من الخاسرين } …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} أي: واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة، إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم-خبر ابني (1) آدم، وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف. وقوله: {بالحق} أي: على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، كما قال تعالى: {إن هذا لهو القصص الحق} [آل عمران:62] وقال تعالى: {نحن نقص عليك نبأهم بالحق} [الكهف:13] وقال تعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون] (2) } [مريم: 34] وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله تعالى قد شرع لآدم، عليه السلام، أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة، وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانا، فمن تقبل منه فهي له، فقربا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه. قال السدي -فيما ذكر-عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود-وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل وهابيل (3) وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها. فأمره أبوه أن يزوجها هابيل، فأبى، وأنهما قربا قربانا إلى الله عز وجل أيهما أحق بالجارية، وكان آدم، عليه السلام، قد غاب عنهما، أتى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لأن الرجلين اللذين وصف الله صفتهما في هذه الآية لو كانا من بني إسرائيل لم يجهل القاتل دفن أخيه ومواراة سوأة أخيه، ولكنهما كانا من ولد آدم لصلبه. ولم يكن القاتل منهما أخاه علم سنة الله في عادة الموتى، ولم يدر ما يصنع بأخيه المقتول، فذكر أنه كان يحمله على عاتقه حينا حتى أراحت جيفته، فأحب الله تعريفه السنة في موتى خلقه، فقيض له الغرابين اللذين وصف صفتهما في كتابه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٣٤٠) ↗التحرير والتنوير
ومعنى فأصبح من الخاسرين صار، ويكون المراد بالخسارة هنا خسارة الآخرة، أي صار بذلك القتل ممن خسر الآخرة، ويجوز إبقاء (أصبح) على ظاهرها، أي غدا خاسرا في الدنيا، والمراد بالخسارة ما يبدو على الجاني من الاضطراب وسوء الحالة وخيبة الرجاء، فتفيد أن القتل وقع في الصباح. [31] 31] فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) البعث هنا مستعمل في الإلهام بالطيران إلى ذلك المكان، أي فألهم الله غرابا ينزل بحيث يراه قابيل. وكأن اختيار الغراب لهذا العمل إما لأن الدفن حيلة في الغربان من قبل، وإما لأن الله اختاره لذلك لمناسبة ما يعتري الناظر إلى سواد لونه من الانقباض بما للأسيف الخاسر من انقباض النفس. ولعل هذا هو الأصل في تشاؤم العرب بالغراب، فقالوا: غراب البين. والضمير المستتر في «يريه» إن كان عائدا إلى اسم الجلالة فالتعليل المستفاد من اللام وإسناد الإرادة حقيقتان، وإن كان عائدا إلى الغراب فاللام مستعملة في معنى فاء التفريع، وإسناد الإرادة إلى الغراب مجاز، لأنه سبب الرؤية فكأنه مريء. وكيف يجوز أن تكون مجردة عن الاستفهام مرادا منها الكيفية، أو للاستفهام، والمعنى: ليريه جواب كيف يواري. والسوأة: ما تسوء رؤيته، وهي هنا تغير رائحة القتيل وتقطع جسمه. وكلمة يا ويلتى من صيغ الاستغاثة المستعملة في التعجب، وأصله يا لويلتي، فعوضت الألف عن لام الاستغاثة نحو قولهم: يا عجبا، ويجوز أن يجعل الألف عوضا عن ياء المتكلم، وهي لغة، ويكون النداء مجازا بتنزيل الويلة منزلة ما ينادى، كقوله: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله [الزمر: 56] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/١٧٣) ↗