سورة المائدة · الآية ٢٨
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
إلى آخر القصة أي: قص على الناس وأخبرهم بالقضية التي جرت على ابني آدم بالحق، تلاوة يعتبر بها المعتبرون، صدقا لا كذبا، وجدا لا لعبا، والظاهر أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، كما يدل عليه ظاهر الآية والسياق، وهو قول جمهور المفسرين. أي: اتل عليهم نبأهما في حال تقريبهما للقربان، الذي أداهما إلى الحال المذكورة. { إذ قربا قربانا } أي: أخرج كل منهما شيئا من ماله لقصد التقرب إلى الله، { فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر } بأن علم ذلك بخبر من السماء، أو بالعادة السابقة في الأمم، أن علامة تقبل الله لقربان، أن تنزل نار من السماء فتحرقه. { قال } الابن، الذي لم يتقبل منه للآخر حسدا وبغيا { لأقتلنك }. فقال له الآخر - مترفقا له في ذلك - { قال إنما يتقبل الله من المتقين } فأي ذنب لي وجناية توجب لك أن تقتلني؟ إلا أني اتقيت الله تعالى، الذي تقواه واجبة علي وعليك، وعلى كل أحد، وأصح الأقوال في تفسير المتقين هنا، أي: المتقين لله في ذلك العمل، بأن يكون عملهم خالصا لوجه الله، متبعين فيه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال له مخبرا أنه لا يريد أن يتعرض لقتله، لا ابتداء ولا مدافعة فقال: { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } وليس ذلك جبنا مني ولا عجزا. وإنما ذلك لأني { أخاف الله رب العالمين } والخائف لله لا يقدم على الذنوب، خصوصا الذنوب الكبار. وفي هذا تخويف لمن يريد القتل، وأنه ينبغي لك أن تتقي الله وتخافه. { إني أريد أن تبوء } أي: ترجع { بإثمي وإثمك } أي: إنه إذا دار الأمر بين أن أكون قاتلا أو تقتلني فإني أوثر أن تقتلني، فتبوء بالوزرين { فتكون من أصحاب النار وذلك جزآء الظالمين } دل هذا على أن القتل من كبائر الذنوب، وأنه موجب لدخول النار. فلم يرتدع ذلك الجاني ولم ينزجر، ولم يزل يعزم نفسه ويجزمها، حتى طوعت له قتل أخيه الذي يقتضي الشرع والطبع احترامه. { فقتله فأصبح من الخاسرين } …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} أي: واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة، إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم-خبر ابني (1) آدم، وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف. وقوله: {بالحق} أي: على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، كما قال تعالى: {إن هذا لهو القصص الحق} [آل عمران:62] وقال تعالى: {نحن نقص عليك نبأهم بالحق} [الكهف:13] وقال تعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون] (2) } [مريم: 34] وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله تعالى قد شرع لآدم، عليه السلام، أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة، وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانا، فمن تقبل منه فهي له، فقربا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه. قال السدي -فيما ذكر-عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود-وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل وهابيل (3) وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها. فأمره أبوه أن يزوجها هابيل، فأبى، وأنهما قربا قربانا إلى الله عز وجل أيهما أحق بالجارية، وكان آدم، عليه السلام، قد غاب عنهما، أتى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك} [المائدة: 28] يقول: " ما أنا بماد يدي إليك {لأقتلك} [المائدة: 28] وقد اختلف في السبب الذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه ولم يمانعه ما فعل به، فقال بعضهم: قال ذلك إعلاما منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتله ولا بسط يده إليه بما لم يأذن الله به
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٣٢٨) ↗التحرير والتنوير
بالمسلمين حين نزول المسلمين بالحديبية عام صلح الحديبية ثم عدلوا عن ذلك. وقد أشارت إليها الآية: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة [الفتح: 24] الآية. ويجوز أن تكون الإشارة إلى عزم أهل خيبر وأنصارهم من غطفان وبني أسد على قتال المسلمين حين حصار خيبر، ثم رجعوا عن عزمهم وألقوا بأيديهم، وهي التي أشارت إليها آية: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم [الفتح: 20] . وعن قتادة: سبب الآية ما همت به بنو محارب وبنو ثعلبة يوم ذات الرقاع من الحمل على المسلمين في صلاة العصر فأشعر الله رسوله بذلك، ونزلت صلاة الخوف، وكف الله أيديهم عن المؤمنين. وأما ما يذكر من غير هذا مما هم به بنو النضير من قتل النبيء صلى الله عليه وسلم حين جاءهم يستعينهم على دية العامريين فتآمروا على أن يقتلوه، فأوحى الله إليه بذلك فخرج هو وأصحابه. وكذا ما يذكر من أن المراد قصة الأعرابي الذي اخترط سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائل في منصرفه من إحدى غزواته، فذلك لا يناسب خطاب الذين آمنوا، ولا يناسب قصة الأعرابي لأن الذي أهم بالقتل واحد لا قوم. وبسط اليد مجاز في البطش قال تعالى: ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء [الممتحنة: 2] ويطلق على السلطة مجازا أيضا، كقولهم: يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض وعلى الجود، كما في قوله تعالى: بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] . وهو حقيقة في محاولة الإمساك بشيء، كما في قوله تعالى حكاية عن ابن آدم لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك [المائدة: 28] . وأما كف اليد فهو مجاز عن الإعراض عن السوء خاصة وكف أيدي الناس عنكم [الفتح: 20] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/١٣٨) ↗