سورة المائدة · الآية ١١٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا } إلى آخر الآيات أي: واذكر نعمتي عليك إذ يسرت لك أتباعا وأعوانا. فأوحيت إلى الحواريين أي: ألهمتهم، وأوزعت قلوبهم الإيمان بي وبرسولي، أو أوحيت إليهم على لسانك، أي: أمرتهم بالوحي الذي جاءك من عند الله، فأجابوا لذلك وانقادوا، وقالوا: آمنا بالله، واشهد بأننا مسلمون، فجمعوا بين الإسلام الظاهر، والانقياد بالأعمال الصالحة، والإيمان الباطن المخرج لصاحبه من النفاق ومن ضعف الإيمان. والحواريون هم: الأنصار، كما قال تعالى: كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله [الصف: 14]. { إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء } أي: مائدة فيها طعام، وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله، واستطاعته على ذلك. وإنما ذلك من باب العرض والأدب منهم. ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافيا للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى عليه السلام فقال: { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى، وأن ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها شيئا. فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى، وإنما لهم مقاصد صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك ف { قالوا نريد أن نأكل منها } وهذا دليل على أنهم محتاجون لها، { وتطمئن قلوبنا } بالإيمان حين نرى الآيات العيانية، فيكون الإيمان عين اليقين، كما كان قبل ذلك علم اليقين. كما سأل الخليل عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260]. فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين والإيمان كل وقت، ولهذا قال: { ونعلم أن قد صدقتنا } أي: نعلم صدق ما جئت به، أنه حق وصدق، { ونكون عليها من الشاهدين } فتكون مصلحة لمن بعدنا، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن أبي هريرة قال: يلقى عيسى حجته، ولقاه الله في قوله: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ؟ قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلقاه الله: {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} أي آخر الآية. وقد رواه الثوري، عن معمر، عن ابن طاوس، عن طاوس، بنحوه. وقوله: {إن كنت قلته فقد علمته} أي: إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب، فإنه لا يخفى عليك شيء مما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته؛ ولهذا قال: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} بإبلاغه {أن اعبدوا الله ربي وربكم} أي: ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه: {أن اعبدوا الله ربي وربكم} أي: هذا هو الذي قلت لهم، {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم، {فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة قال: انطلقت أنا وسفيان الثوري إلى المغيرة بن النعمان فأملاه على سفيان وأنا معه، فلما قام انتسخت من سفيان، فحدثنا قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة، فقال: "يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله، عز وجل، حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده، وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم". ورواه البخاري عند هذه الآية عن الوليد، عن أبي شعبة -وعن محمد بن كثير، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أقوله لهم، وهو أن قلت لهم: اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم. فلما توفيتني يقول: فلما قبضتني إليك، كنت أنت الرقيب عليهم يقول: كنت أنت الحفيظ عليهم دوني، لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم. وفي هذا تبيان أن الله تعالى إنما عرفه أفعال القوم ومقالتهم بعدما قبضه إليه وتوفاه بقوله: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، وأنت على كل شيء شهيد يقول: وأنت تشهد على كل شيء، لأنه لا يخفى عليك شيء، وأما أنا فإنما شهدت بعض الأشياء، وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظهر القوم، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيت وشهدت. وبنحو الذي قلنا في قوله: كنت أنت الرقيب عليهم قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١٣٧) ↗التحرير والتنوير
الكفر، وذلك حاصل أثره عند الحواريين وليسوا ممن يخشى العود إلى الكفر سواء نزلت المائدة أم لم تنزل. وأما النصارى فلا يعرفون خبر نزول المائدة من السماء، وكم من خبر أهملوه في الأناجيل. [116- 118] وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) وإذ قال الله عطف على قوله: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك [المائدة: 110] فهو ما يقوله الله يوم يجمع الرسل وليس مما قاله في الدنيا، لأن عبادة عيسى حدثت بعد رفعه، ولقوله: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم. فقد أجمع المفسرون على أن المراد به يوم القيامة. وأن قوله: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس قول يقوله يوم القيامة. وهذا مبدأ تقريع النصارى بعد أن فرغ من تقريع اليهود من قوله: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك [المائدة: 110] إلى هنا. وتقريع النصارى هو المقصود من هذه الآيات كما تقدم عند قوله تعالى: يوم يجمع الله الرسل [المائدة: 109] الآية، فالاستفهام هنا كالاستفهام في قوله تعالى للرسل ماذا أجبتم [المائدة: 109] والله يعلم أن عيسى لم يقل ذلك ولكن أريد إعلان كذب من كفر من النصارى.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١١٢) ↗