البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الفتح · الآية ٦

﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن منته على المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة، التي تشوش القلوب، وتزعج الألباب، وتضعف النفوس، فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، وينزل عليه السكينة، ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت ونفس مطمئنة، فيستعد بذلك لإقامة أمر الله في هذه الحال، فيزداد بذلك إيمانه، ويتم إيقانه، فالصحابة رضي الله عنهم لما جرى ما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين، من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم، وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيمانا مع إيمانهم. وقوله: { ولله جنود السموت والأرض } أي: جميعها في ملكه، وتحت تدبيره وقهره، فلا يظن المشركون أن الله لا ينصر دينه ونبيه، ولكنه تعالى عليم حكيم، فتقتضي حكمته المداولة بين الناس في الأيام، وتأخير نصر المؤمنين إلى وقت آخر. { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم } فهذا أعظم ما يحصل للمؤمنين، أن يحصل لهم المرغوب المطلوب بدخول الجنات، ويزيل عنهم المحذور بتكفير السيئات. { وكان ذلك } الجزاء المذكور للمؤمنين { عند الله فوزا عظيما } فهذا ما يفعل بالمؤمنين في ذلك الفتح المبين. وأما المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات، فإن الله يعذبهم بذلك، ويريهم ما يسوؤهم حيث كان مقصودهم خذلان المؤمنين، وظنوا بالله الظن السوء، أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، وأن أهل الباطل، ستكون لهم الدائرة على أهل الحق، فأدار الله عليهم ظنهم، وكانت دائرة السوء عليهم في الدنيا، { وغضب الله عليهم } بما اقترفوه من المحادة لله ولرسوله، { ولعنهم } أي: أبعدهم وأقصاهم عن رحمته { وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفتح ٤–٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… الدامغة؛ ولهذا قال: {وكان الله عليما حكيما} ثم قال تعالى: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} ، قد تقدم حديث أنس: قالوا: هنيئا لك يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} أي: ماكثين فيها أبدا. {ويكفر عنهم سيئاتهم} أي: خطاياهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر، ويستر ويرحم ويشكر، {وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} ، كقوله {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمرن: 185] . وقوله: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء} أي: يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية؛ ولهذا قال: {عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم} أي: أبعدهم من رحمته {وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} . ثم قال مؤكدا لقدرته على الانتقام من الأعداء -أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين-: {ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزا حكيما} . يقول تعالى لنبيه محمد -صلوات الله وسلامه عليه (1) {إنا أرسلناك شاهدا} أي: على الخلق، {ومبشرا} أي: للمؤمنين، {ونذيرا} أي: للكافرين. وقد تقدم تفسيرها في سورة "الأحزاب" (2) . {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه} ، قال ابن عباس وغير واحد: يعظموه، {وتوقروه} من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام، {وتسبحوه} أي: يسبحون الله، {بكرة وأصيلا} أي: أول النهار وآخره. ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم تشريفا له وتعظيما وتكريما: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} كقوله {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80] ، {يد الله فوق أيديهم} أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسوله

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٢٩) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وسلم: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله وليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار، وليعذب المنافقين والمنافقات، بفتح الله لك يا محمد، ما فتح لك من نصرك على مشركي قريش، فيكبتوا لذلك ويحزنوا، ويخيب رجاؤهم الذي كانوا يرجون من رؤيتهم في أهل الإيمان بك من الضعف والوهن والتولي عنك في عاجل الدنيا، وصلي النار والخلود فيها في آجل الآخرة {والمشركين والمشركات} [الأحزاب: 73] يقول: وليعذب كذلك أيضا المشركين والمشركات {الظانين بالله} [الفتح: 6] أنه لن ينصرك وأهل الإيمان بك على أعدائك، ولن يظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين به، وذلك كان السوء من ظنونهم التي ذكرها الله في هذا الموضع، يقول تعالى ذكره: على المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات الذين ظنوا هذا الظن دائرة السوء، يعني دائرة العذاب تدور عليهم به واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفة {دائرة السوء} [التوبة: 98] بفتح السين وقرأ بعض قراء البصرة (دائرة السوء) بضم السين

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٢٤٨) ↗

التحرير والتنوير

وذكر المؤمنات مع المؤمنين هنا لدفع توهم أن يكون الوعد بهذا الإدخال مختصا بالرجال. وإذ كانت صيغة الجمع صيغة المذكر مع ما قد يؤكد هذا التوهم من وقوعه علة أو علة علة للفتح وللنصر وللجنود وكلها من ملابسات الذكور، وإنما كان للمؤمنات حظ في ذلك لأنهن لا يخلون من مشاركة في تلك الشدائد ممن يقمن منهن على المرضى والجرحى وسقي الجيش وقت القتال ومن صبر بعضهن على الثكل أو التأيم، ومن صبرهن على غيبة الأزواج والأبناء وذوي القرابة. والإشارة في قوله وكان ذلك إلى المذكور من إدخال الله إياهم الجنة. والمراد بإدخالهم الجنة إدخال خاص وهو إدخالهم منازل المجاهدين وليس هو الإدخال الذي استحقوه بالإيمان وصالح الأعمال الأخرى. ولذلك عطف عليه ويكفر عنهم سيئاتهم. والفوز: مصدر، وهو الظفر بالخير والنجاح. وعند الله متعلق ب فوزا، أي فازوا عند الله بمعنى: لقوا النجاح والظفر في معاملة الله لهم بالكرامة وتقديمه على متعلقه للاهتمام بهذه المعاملة ذات الكرامة. [6] 6] ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) الحديث عن جنود الله في معرض ذكر نصر الله يقتضي لا محالة فريقا مهزوما بتلك الجنود وهم العدو، فإذا كان النصر الذي قدره الله معلولا بما بشر به المؤمنين فلا جرم اقتضى أنه معلول بما يسوء العدو وحزبه، فذكر الله من علة ذلك النصر أنه يعذب بسببه المنافقين حزب العدو، والمشركين صميم العدو، فكان قوله: ويعذب المنافقين معطوفا على ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات [الفتح: 5] . والمراد: تعذيب خاص زائد على تعذيبهم الذي استحقوه بسبب الكفر والنفاق وقد أومأ إلى ذلك قوله بعده عليهم دائرة السوء.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٥٢) ↗