البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الفتح · الآية ٢٨

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المدينة رؤيا أخبر بها أصحابه، أنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت، فلما جرى يوم الحديبية ما جرى، ورجعوا من غير دخول لمكة، كثر في ذلك الكلام منهم، حتى إنهم قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألم تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ فقال: " أخبرتكم أنه العام؟ " قالوا: لا. قال: " فإنكم ستأتونه وتطوفون به " " ، قال الله هنا: { لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق } أي: لا بد من وقوعها وصدقها، ولا يقدح في ذلك تأخر تأويلها، { لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين } أي: في هذه الحال المقتضية لتعظيم هذا البيت الحرام، وأدائكم للنسك، وتكميله بالحلق والتقصير، وعدم الخوف، { فعلم } من المصلحة والمنافع { ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك } الدخول بتلك الصفة { فتحا قريبا }. ولما كانت هذه الواقعة مما تشوشت بها قلوب بعض المؤمنين، وخفيت عليهم حكمتها، فبين تعالى حكمتها ومنفعتها، وهكذا سائر أحكامه الشرعية، فإنها كلها، هدى ورحمة. أخبر بحكم عام، فقال: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } الذي هو العلم النافع، الذي يهدي من الضلالة، ويبين طرق الخير والشر. { ودين الحق } أي: الدين الموصوف بالحق، وهو العدل والإحسان والرحمة. وهو كل عمل صالح مزك للقلوب، مطهر للنفوس، مرب للأخلاق، معل للأقدار. { ليظهره } بما بعثه الله به { على الدين كله } بالحجة والبرهان، ويكون داعيا لإخضاعهم بالسيف والسنان.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفتح ٢٧–٢٨) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب {أن يطفئوا نور الله} (1) أي: ما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل الله به رسوله لا بد أن يتم ويظهر؛ ولهذا قال تعالى مقابلا لهم فيما راموه وأرادوه: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} والكافر: هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ومنه سمي الليل "كافرا"؛ لأنه يستر الأشياء، والزارع كافرا؛ لأنه يغطي الحب في الأرض كما قال: {أعجب الكفار نباته} [الحديد: 20] (2) ثم قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} فالهدى: هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة، والإيمان الصحيح، والعلم النافع -ودين الحق: هي الأعمال [الصالحة] (3) الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة. {ليظهره على الدين كله} أي: على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيح، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها" (4) وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن أبي يعقوب: سمعت شقيق بن حيان يحدث عن مسعود بن قبيصة -أو: قبيصة بن مسعود -يقول: صلى هذا الحي من "محارب" الصبح، فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه سيفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار، إلا من اتقى الله وأدى الأمانة" (5) وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا سليم بن عامر، عن تميم الداري، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر"، فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

على خلقه، وجميع اللازم لهم، وبدين الحق وهو الإسلام {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] يقول: ليعلي الإسلام على الملل كلها. {ولو كره المشركون} [التوبة: 33] بالله ظهوره عليها. وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] فقال بعضهم: ذلك عند خروج عيسى حين تصير الملل كلها واحدة

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٤٢٢) ↗

التحرير والتنوير

بيانية. والمعنى: فجعل فتحا قريبا لكم زيادة على ما وعدكم من دخول مكة آمنين. وهذا الفتح أوله هو فتح خيبر الذي وقع قبل عمرة القضية وهذا القريب من وقت الصلح. [28] 28] هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا (28) زيادة تحقيق لصدق الرؤيا بأن الذي أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين ما كان ليريه رؤيا صادقة. فهذه الجملة تأكيد للتحقيق المستفاد من حرف (قد) ولام القسم في قوله: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق [الفتح: 27] . وبهذا يظهر لك حسن موقع الضمير والموصول في قوله: هو الذي أرسل رسوله لأن الموصول يفيد العلم بمضمون الصلة غالبا. والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: لقد صدق الله رسوله الرؤيا، وهم يعلمون أن رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم وحي من الله فهو يذكرهم بهاتين الحقيقتين المعلومتين عندهم حين لم يجروا على موجب العلم بهما فخامرتهم ظنون لا تليق بمن يعلم أن رؤيا الرسول وحي وأن الموحي له هو الذي أرسله فكيف يريه رؤيا غير صادقة. وفي هذا تذكير ولوم للمؤمنين الذين غفلوا عن هذا وتعريض بالمنافقين الذين أدخلوا التردد في قلوب المؤمنين. والباء في بالهدى للمصاحبة وهو متعلق ب أرسل والهدى أطلق على ما به الهدى، أي كقوله تعالى: ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين [البقرة: 2] ، وقوله: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس [البقرة: 185] . وعطف دين الحق على الهدى ليشمل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحكام أصولها وفروعها مما أوحي به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم سوى القرآن من كل وحي بكلام لم يقصد به الإعجاز أو كان من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون المراد بالهدى أصول الدين من اعتقاد الإيمان وفضائل الأخلاق التي بها تزكية النفس، ودين الحق: شرائع الإسلام وفروعه.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٢٠١) ↗