سورة الفتح · الآية ٢٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية } حيث أنفوا من كتابة " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وأنفوا من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إليهم في تلك السنة، لئلا يقول الناس: " دخلوا مكة قاهرين لقريش " ، وهذه الأمور ونحوها من أمور الجاهلية، لم تزل في قلوبهم حتى أوجبت لهم ما أوجبت من كثير من المعاصي، { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } فلم يحملهم الغضب على مقابلة المشركين بما قابلوهم به، بل صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم اللائمين. { وألزمهم كلمة التقوى } وهي " لا إله إلا الله " وحقوقها، ألزمهم القيام بها، فالتزموها وقاموا بها، { وكانوا أحق بها } من غيرهم { و } كانوا { أهلها } الذين استأهلوها لما يعلم الله عندهم وفي قلوبهم من الخير، ولهذا قال: { وكان الله بكل شيء عليما }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفتح ٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن الكفار من مشركي العرب من قريش ومن مالأهم (1) على نصرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هم الذين كفروا} أي: هم الكفار دون غيرهم، {وصدوكم عن المسجد الحرام} أي: وأنتم أحق به، وأنتم أهله في نفس الأمر، {والهدي معكوفا أن يبلغ محله} أي: وصدوا الهدي أن يصل (2) إلى محله، وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة، كما سيأتي بيانه. وقوله: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} أي: بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سلطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة (3) القتل؛ ولهذا قال: {لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة} أي: إثم وغرامة {بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء} أي: يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام. ثم قال: {لو تزيلوا} أي: لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم {لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} أي: لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلا ذريعا. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو الزنباع -روح بن الفرج-حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله (4) أبو سعيد -مولى بني هاشم-حدثنا حجر بن خلف: سمعت عبد الله بن عوف (5) يقول (6) : سمعت (7) جنيد بن سبع يقول (8) : قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار كافرا، وقاتلت معه آخر النهار مسلما، وفينا نزلت: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} قال: كنا تسعة نفر: سبعة رجال وامرأتين (9) . ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه: عن أبي جمعة جنيد بن سبيع، فذكره (10) والصواب أبو جعفر: حبيب بن سباع. ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر بن خلف (11) ،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٤٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٣٠٧) ↗التحرير والتنوير
لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا [الفتح: 22] أنه إنما لم يأمر المسلمين بقتال عدوهم لما صدوهم عن البيت لأنه أراد رحمة جمع من المؤمنين والمؤمنات كانوا في خلال أهل الشرك لا يعلمونهم، وعصم المسلمين من الوقوع في مصائب من جراء إتلاف إخوانهم، فالجملة معطوفة على جملة ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار أو على جملة وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم [الفتح: 24] إلخ. وأيا ما كان فهي كلام معترض بين جملة هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام إلخ وبين جملة إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية [الفتح: 26] . ونظم هذه الآية بديع في أسلوبي الإطناب والإيجاز والتفنن في الانتقال ورشاقة كلماته. ولولا دالة على امتناع لوجود، أي امتنع تعذيبنا الكافرين لأجل وجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات بينهم. وما بعد لولا مبتدأ وخبره محذوف على الطريقة المستعملة في حذفه مع لولا إذا كان تعليق امتناع جوابها على وجود شرطها وجودا مطلقا غير مقيد بحال، فالتقدير: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات موجودون، كما يدل عليه قوله بعده لو تزيلوا، أي لو لم يكونوا موجودين بينهم، أي أن وجود هؤلاء هو الذي لأجله امتنع حصول مضمون جواب لولا. وإجراء الوصف على رجال ونساء بالإيمان مشير إلى أن وجودهم المانع من حصول مضمون الجواب هو الوجود الموصوف بإيمان أصحابه، ولكن الامتناع ليس معلقا على وجود الإيمان بل على وجود ذوات المؤمنين والمؤمنات بينهم. وكذلك قوله: لم تعلموهم ليس هو خبرا بل وصفا ثانيا إذ ليس محط الفائدة. ووجه عطف نساء مؤمنات مع أن وجود رجال مؤمنون كاف في ربط امتناع الجواب بالشرط ومع التمكن من أن يقول: ولولا المؤمنون، فإن جمع المذكر في اصطلاح القرآن يتناول النساء غالبا، أن تخصيص النساء بالذكر أنسب بمعنى انتفاء المعرة بقتلهن وبمعنى تعلق رحمة الله بهن.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٨٩) ↗