سورة الفتح · الآية ٢١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة -التي يقال لها " بيعة الرضوان " لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها " بيعة أهل الشجرة " - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائرا هذا البيت، معظما له، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من معه من المؤمنين، وكانوا نحوا من ألف وخمس مئة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، { فعلم ما في قلوبهم } من الإيمان، { فأنزل السكينة عليهم } شكرا لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، { وأثابهم فتحا قريبا } وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاءا لهم، وشكرا على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته. { ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما } أي: له العزة والقدرة، التي قهر بها الأشياء، فلو شاء لانتصر من الكفار في كل وقعة تكون بينهم وبين المؤمنين، ولكنه حكيم، يبتلي بعضهم ببعض، ويمتحن المؤمن بالكافر. { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } وهذا يشمل كل غنيمة غنمها المسلمين إلى يوم القيامة، { فعجل لكم هذه } أي: غنيمة خيبر أي: فلا تحسبوها وحدها، بل ثم شيء كثير من الغنائم سيتبعها، { و } احمدوا الله إذ { كف أيدي الناس } القادرين على قتالكم، الحريصين عليه { عنكم } فهي نعمة، وتخفيف …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أيدي الناس عنكم} أي: لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال. وكذلك كف أيدي الناس [عنكم] (1) الذين خلفتموهم وراء أظهركم عن عيالكم وحريمكم، {ولتكون آية للمؤمنين} أي: يعتبرون بذلك، فإن الله حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء، مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العليم بعواقب الأمور، وأن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر، كما قال: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} [البقرة: 216] . {ويهديكم صراطا مستقيما} أي: بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله (2) . وقوله: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا} أي: وغنيمة أخرى وفتحا آخر معينا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسرها الله عليكم، وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون. وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة، ما المراد بها؟ فقال العوفي عن ابن عباس: هي خيبر. وهذا على قوله في قوله تعالى: {فعجل لكم هذه} إنها صلح الحديبية. وقاله الضحاك، وابن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال قتادة: هي مكة. واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي ليلى، والحسن البصري: هي فارس والروم. وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن سماك الحنفي، عن ابن عباس: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم (3) . وقوله: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا} يقول تعالى مبشرا لعباده المؤمنين: بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم جيش الكفار (4) فارا مدبرا لا يجدون وليا ولا نصيرا؛ لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه (5) المؤمنين. ثم قال: {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} أي: هذه سنة الله وعادته في خلقه، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
القوم {مغانم كثيرة تأخذونها} [الفتح: 20] اختلف أهل التأويل في هذه المغانم التي ذكر الله أنه وعدها هؤلاء القوم أي المغانم هي، فقال بعضهم: هي كل مغنم غنمها الله المؤمنين به من أموال أهل الشرك من لدن أنزل هذه الآية على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٢٧٩) ↗التحرير والتنوير
وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) هذا من عطف الجملة على الجملة فقوله: أخرى مبتدأ موصوف بجملة لم تقدروا عليها والخبر قوله: قد أحاط الله بها. ومجموع الجملة عطف على جملة وعدكم الله مغانم كثيرة [الفتح: 20] فلفظ أخرى صفة لموصوف محذوف دل عليه مغانم الذي في الجملة قبلها، أي هي نوع آخر من المغانم صعبة المنال، ومعنى المغانم يقتضي غانمين فعلم أنها لهم، أي غير التي وعدهم الله بها، أي هذه لم يعدهم الله بها، ولم نجعل وأخرى عطفا على قوله هذه [الفتح: 20] عطف المفرد على المفرد إذ ليس المراد غنيمة واحدة بل غنائم كثيرة. ومعنى لم تقدروا عليها: أنها موصوفة بعدم قدرتكم عليها، فلما كانت جملة لم تقدروا عليها صفة ل أخرى لم يقتض مدلول الجملة أنهم حاولوا الحصول عليها فلم يقدروا، وإنما المعنى: أن صفتها عدم قدرتكم عليها فلم تتعلق أطماعكم بأخذها. والإحاطة بالهمز: جعل الشيء حائطا أي حافظا، فأصل همزته للجعل وصار بالاستعمال قاصرا، ومعناه: احتوى عليه ولم يترك له منصرفا فول على شدة القدرة عليه قال تعالى: لتأتنني به إلا أن يحاط بكم [يوسف: 66] أي إلا أن تغلبوا غلبا لا تستطيعون معه الإتيان به. فالمعنى: أن الله قدر عليها، أي قدر عليها فجعلها لكم بقرينة قوله قبله لم تقدروا عليها. والمعنى: ومغانم أخرى لم تقدروا على نيلها قد قدر الله عليها، أي فأنا لكم إياها. وإلا لم يكن لإعلامهم بأن الله قدر على ما لم يقدروا عليه جدوى لأنهم لا يجهلون ذلك، أي أحاط الله بها لأجلكم، وفي معنى الإحاطة إيماء إلى أنها كالشيء المحاط به من جوانبه فلا يفوتهم مكانه، جعلت كالمخبوء لهم. ولذلك ذيل بقوله: وكان الله على كل شيء قديرا إذ هو أمر مقرر في علمهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٨٠) ↗