البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الفتح · الآية ١٧

﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر تعالى أن المخلفين من الأعراب يتخلفون عن الجهاد في سبيله، ويعتذرون بغير عذر، وأنهم يطلبون الخروج معهم إذا لم يكن شوكة ولا قتال، بل لمجرد الغنيمة، قال تعالى ممتحنا لهم: { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } أي: سيدعوكم الرسول ومن ناب منابه من الخلفاء الراشدين والأئمة، وهؤلاء القوم فارس والروم ومن نحا نحوهم وأشبههم. { تقاتلونهم أو يسلمون } أي: إما هذا وإما هذا، وهذا هو الأمر الواقع، فإنهم في حال قتالهم ومقاتلتهم لأولئك الأقوام، إذ كانت شدتهم وبأسهم معهم، فإنهم في تلك الحال لا يقبلون أن يبذلوا الجزية، بل إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يقاتلوا على ما هم عليه، فلما أثخنهم المسلمون، وضعفوا وذلوا، ذهب بأسهم، فصاروا إما أن يسلموا، وإما أن يبذلوا الجزية، { فإن تطيعوا } الداعي لكم إلى قتال هؤلاء { يؤتكم الله أجرا حسنا } وهو الأجر الذي رتبه الله ورسوله على الجهاد في سبيل الله، { وإن تتولوا كما توليتم من قبل } عن قتال من دعاكم الرسول إلى قتاله، { يعذبكم عذابا أليما } ودلت هذه الآية على فضيلة الخلفاء الراشدين، الداعين لجهاد أهل البأس من الناس، وأنه تجب طاعتهم في ذلك. ثم ذكر الأعذار التي يعذر بها العبد عن الخروج إلى الجهاد، فقال: { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } أي: في التخلف عن الجهاد لعذرهم المانع. { ومن يطع الله ورسوله } في امتثال أمرهما، واجتناب نهيهما { يدخله جنت تجري من تحتها الأنهر } فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، { ومن يتول } عن طاعة الله ورسوله { يعذبه عذابا أليما } فالسعادة كلها في طاعة الله، والشقاوة في معصيته ومخالفته.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفتح ١٦–١٧) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… الأكل مع هؤلاء تقذرا وتقززا، ولئلا يتفضلوا عليهم، فأنزل الله هذه الآية. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج} الآية قال: كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج أو المريض إلى بيت أبيه أو بيت أخيه، أو بيت أخته، أو بيت عمته، أو بيت خالته. فكان الزمنى يتحرجون (3) من ذلك، يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم (4) . فنزلت هذه الآية رخصة لهم (5) . وقال السدي: كان الرجل يدخل بيت أبيه، أو أخيه أو ابنه، فتتحفه المرأة بالشيء من الطعام، فلا يأكل من أجل أن رب البيت ليس ثم. فقال الله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم} إلى قوله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} . وقوله تعالى: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} ، إنما ذكر هذا -وهو معلوم -ليعطف عليه غيره في اللفظ، وليستأديه (6) ما بعده في الحكم. وتضمن هذا بيوت الأبناء؛ لأنه لم ينص عليهم. ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه، وقد جاء في المسند والسنن، من غير وجه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنت ومالك لأبيك" (7) وقوله: {أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم} ، إلى قوله {أو ما ملكتم مفاتحه} ، هذا ظاهر. وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، كما هو مذهب [الإمام] (8) أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل، في المشهور عنهما.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٨٥) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} [النور: 61] قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في هذه الآية في المعنى الذي أنزلت فيه، فقال بعضهم: أنزلت هذه الآية ترخيصا للمسلمين في الأكل مع العميان والعرجان والمرضى وأهل الزمانة من طعامهم، من أجل أنهم كانوا قد امتنعوا من أن يأكلوا معهم من طعامهم، خشية أن يكونوا قد أتوا بأكلهم معهم من طعامهم شيئا مما نهاهم الله عنه بقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣٦٥) ↗

التحرير والتنوير

و (أو) للترديد بين الأمرين والتنويع في حالة تدعون، أي تدعون إلى قتالهم وإسلامهم، وذلك يستلزم الإمعان في مقاتلتهم والاستمرار فيها ما لم يسلموا، فبذلك كان أو يسلمون حالا معطوفا على جملة تقاتلونهم وهو حال من ضمير تدعون. وقوله: وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما تعبير بالتوالي الذي مضى، وتحذير من ارتكاب مثله في مثل هذه الدعوة بأنه تول يوقع في الإثم لأنه تول عن دعوة إلى واجب وهو القتال للجهاد. فالتشبيه في قوله: كما توليتم من قبل تشبيه في مطلق التولي لقصد التشويه وليس تشبيها فيما يترتب على ذلك التولي. [17] ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) جملة معترضة بين جملة وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما [الفتح: 16] وبين جملة ومن يطع الله ورسوله الآية قصد منها نفي الوعيد عن أصحاب الضرارة تنصيصا على العذر للعناية بحكم التولي والتحذير منه. وجملة من يطع الله إلخ تذييل لجملة فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا [الفتح: 16] الآية لما تضمنته من إيتاء الأجر لكل مطيع من المخاطبين وغيرهم، والتعذيب لكل متول كذلك، مع ما في جملة ومن يطع الله من بيان أن الأجر هو إدخال الجنات، وهو يفيد بطريق المقابلة أن التعذيب الأليم بإدخالهم جهنم. وقرأ نافع وابن عامر ندخله ونعذبه بنون العظمة على الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وقرأ الجمهور يدخله بالياء التحتية جريا على أسلوب الغيبة بعود الضمير إلى اسم الجلالة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٧٢) ↗