سورة الفتح · الآية ١٣
﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذم تعالى المتخلفين عن رسوله، في الجهاد في سبيله، من الأعراب الذين ضعف إيمانهم، وكان في قلوبهم مرض، وسوء ظن بالله تعالى، وأنهم سيعتذرون بأن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن الخروج في الجهاد، وأنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم، قال الله تعالى: { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } فإن طلبهم الاستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على ندمهم وإقرارهم على أنفسهم بالذنب، وأنهم تخلفوا تخلفا يحتاج إلى توبة واستغفار، فلو كان هذا الذي في قلوبهم، لكان استغفار الرسول نافعا لهم، لأنهم قد تابوا وأنابوا، ولكن الذي في قلوبهم، أنهم إنما تخلفوا لأنهم ظنوا بالله ظن السوء. فظنوا { أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } أي: إنهم سيقتلون ويستأصلون، ولم يزل هذا الظن يزين في قلوبهم، ويطمئنون إليه، حتى استحكم، وسبب ذلك أمران: أحدها: أنهم كانوا { قوما بورا } أي: هلكى، لا خير فيهم، فلو كان فيهم خير لم يكن هذا في قلوبهم. الثاني: ضعف إيمانهم ويقينهم بوعد الله، ونصر دينه، وإعلاء كلمته، ولهذا قال: { ومن لم يؤمن بالله ورسوله } أي: فإنه كافر مستحق للعقاب، { فإنآ أعتدنا للكافرين سعيرا }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفتح ١١–١٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أي: لا يقدر أحد أن يرد ما أراده فيكم تعالى وتقدس، وهو العليم بسرائركم وضمائركم، وإن صانعتمونا وتابعتمونا (5) ؛ ولهذا قال: {بل كان الله بما تعملون خبيرا} . ثم قال: {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا} أي: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص، بل تخلف نفاق، {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا} أي: اعتقدتم أنهم يقتلون وتستأصل شأفتهم وتستباد خضراؤهم، ولا يرجع منهم مخبر، {وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا} أي: هلكى. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد. وقال قتادة: فاسدين. وقيل: هي بلغة عمان. ثم قال: {ومن لم يؤمن بالله ورسوله} أي: من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله، فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر. ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما} أي: لمن تاب إليه وأناب، وخضع لديه. يقول تعالى مخبرا عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة (6) الحديبية، إذ ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها: أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم. فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا (7) يقع غير ذلك شرعا وقدرا؛ ولهذا قال: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} قال مجاهد، وقتادة، وجويبر: وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية. واختاره ابن جرير (8) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٣٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فيصدقه على ما أخبر به، ويقر بما جاء به من الحق من عند ربه، فإنا أعددنا لهم جميعا سعيرا من النار تستعر عليهم في جهنم إذا وردوها يوم القيامة؛ يقال من ذلك: سعرت النار: إذا أوقدتها، فأنا أسعرها سعرا؛ ويقال: سعرتها أيضا إذا حركتها وإنما قيل للمسعر مسعر، لأنه يحرك به النار، ومنه قولهم: إنه لمسعر حرب: يراد به موقدها ومهيجها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٢٦٠) ↗التحرير والتنوير
و (ظن السوء) أعم من ظنهم أن لا يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، أي ظننتم ظن السوء بالدين وبمن بقي من الموقنين لأنهم جزموا باستئصال أهل الحديبية وأن المشركين ينتصرون ثم يغزون المدينة بمن ينضم إليهم من القبائل فيسقط في أيدي المؤمنين ويرتدون عن الدين فذلك ظن السوء. والسوء بفتح السين تقدم آنفا في قوله: الظانين بالله ظن السوء [الفتح: 6] . والبور: مصدر كالهلك بناء ومعنى، ومثله البوار بالفتح كالهلاك ولذلك وقع وصفا بالإفراد وموصوفه في معنى الجمع. والمراد الهلاك المعنوي، وهو عدم الخير والنفع في الدين والآخرة نظير قوله تعالى: يهلكون أنفسهم في سورة براءة [42] . وإقحام كلمة قوما بين كنتم وبورا لإفادة أن البوار صار من مقومات قوميتهم لشدة تلبسه بجميع أفرادهم كما تقدم عند قوله تعالى لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة [164] . وقوله: وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون في سورة يونس [101] . [13] 13] ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا (13) جملة معترضة بين أجزاء القول المأمور به في قوله: قل فمن يملك لكم من الله شيئا [الفتح: 11] الآيات وقوله: ولله ملك السماوات والأرض [آل عمران: 189] وهذا الاعتراض للتحذير من استدراجهم أنفسهم في مدارج الشك في إصابة أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفضي بهم إلى دركات الكفر بعد الإيمان إذ كان تخلفهم عن الخروج معه وما عللوا به تثاقلهم في نفوسهم وإظهار عذر مكذوب أضمروا خلافه، كل ذلك حوما حول حمى الشك يوشكون أن يقعوا فيه. ومن شرطية. وإظهار لفظ الكافرين في مقام أن يقال: أعتدنا لهم سعيرا، لزيادة تقرير معنى من لم يؤمن بالله ورسوله. والسعير: النار المسعرة وهو من أسماء جهنم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٦٥) ↗