سورة الفتح · الآية ١٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه المبايعة التي أشار الله إليها هي " بيعة الرضوان " التي بايع الصحابة رضي الله عنهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن لا يفروا عنه، فهي عقد خاص، من لوازمه أن لا يفروا، ولو لم يبق منهم إلا القليل، ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيها، فأخبر تعالى: أن الذين بايعوك حقيقة الأمر أنهم { يبايعون الله } ويعقدون العقد معه، حتى إنه من شدة تأكده أنه قال: { يد الله فوق أيديهم } أي: كأنهم بايعوا الله وصافحوه بتلك المبايعة، وكل هذا لزيادة التأكيد والتقوية، وحملهم على الوفاء بها، ولهذا قال: { فمن نكث } فلم يف بما عاهد الله عليه { فإنما ينكث على نفسه } أي: لأن وبال ذلك راجع إليه، وعقوبته واصلة له، { ومن أوفى بما عاهد عليه الله } أي: أتى به كاملا موفرا، { فسيؤتيه أجرا عظيما } لا يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفتح ١٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… [التوبة: 111] . وقد قال (1) ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري، حدثنا علي بن بكار، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سل سيفه في سبيل الله، فقد بايع الله" (2) . وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر: "والله ليبعثه الله يوم القيامة له عينان ينظر بهما، ولسان ينطق، به ويشهد على من استلمه بالحق، فمن استلمه فقد بايع الله"، ثم قرأ: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} (3) . ولهذا قال هاهنا: {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} أي: إنما يعود وبال ذلك على الناكث، والله غني عنه، {ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما} أي: ثوابا جزيلا. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان، وكانت تحت شجرة سمر بالحديبية، وكان الصحابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ قيل: ألف وثلثمائة. وقيل: أربعمائة. وقيل: وخمسمائة. والأوسط (4) أصح. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك: قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة. ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة، به (5) . وأخرجاه أيضا من حديث الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: كنا يومئذ ألفا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء، فنبع الماء من بين أصابعه، حتى رووا كلهم (6) . وهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاهم سهما من كنانته، فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت بالماء، حتى كفتهم، فقيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا ألفا وأربعمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا (7) . وفي رواية [في] (8) الصحيحين عن جابر: أنهم كانوا خمس عشرة مائة (9) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٣٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يفروا عند لقاء العدو، ولا يولوهم الأدبار {إنما يبايعون الله} [الفتح: 10] يقول: إنما يبايعون ببيعتهم إياك الله، لأن الله ضمن لهم الجنة بوفائهم له بذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٢٥٤) ↗التحرير والتنوير
فزيد في صفات النبيء صلى الله عليه وسلم هنالك وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ولم يذكر مثله في الآية هذه التي في سورة الفتح. ووجه ذلك أن هذه الآية التي في سورة الفتح وردت في سياق إبطال شك الذين شكوا في أمر الصلح والذين كذبوا بوعد الفتح والنصر، والثناء على الذين اطمأنوا لذلك فاقتصر من أوصاف النبيء صلى الله عليه وسلم على الوصف الأصلي وهو أنه شاهد على الفريقين وكونه مبشرا لأحد الفريقين ونذيرا للآخر، بخلاف آية الأحزاب فإنها وردت في سياق تنزيه النبيء صلى الله عليه وسلم عن مطاعن المنافقين والكافرين في تزوجه زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة بزعمهم أنها زوجة ابنه، فناسب أن يزاد في صفاته ما فيه إشارة إلى التمحيص بين ما هو من صفات الكمال وما هو من الأوهام الناشئة عن مزاعم كاذبة مثل التبني، فزيد كونه داعيا إلى الله بإذنه، أي لا يتبع مزاعم الناس ورغباتهم وأنه سراج منير يهتدي به من همته في الاهتداء دون التقعير. وقد تقدم في تفسير سورة الأحزاب حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في «التوراة» فارجع إليه. [10] 10] إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10) شروع في الغرض الأصلي من هذه السورة، وهذه الجملة مستأنفة، وأكد بحرف التأكيد للاهتمام، وصيغة المضارع في قوله: يبايعونك لاستحضار حالة المبايعة الجليلة لتكون كأنها حاصلة في زمن نزول هذه الآية مع أنها قد انقضت وذلك كقوله تعالى: ويصنع الفلك [هود: 38] . والحصر المفاد من إنما حصر الفعل في مفعوله، أي لا يبايعون إلا الله وهو قصر ادعائي بادعاء أن غاية البيعة وغرضها هو النصر لدين الله ورسوله فنزل الغرض منزلة الوسيلة فادعى أنهم بايعوا الله لا الرسول.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٥٧) ↗