سورة محمد · الآية ٥
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - مرشدا عباده إلى ما فيه صلاحهم، ونصرهم على أعدائهم -: { فإذا لقيتم الذين كفروا } في الحرب والقتال، فاصدقوهم القتال، واضربوا منهم الأعناق، حتى تثخنوهم وتكسروا شوكتهم وتبطلوا شرتهم، فإذا فعلتم ذلك، ورأيتم الأسر أولى وأصلح، { فشدوا الوثاق } أي: الرباط، وهذا احتياط لأسرهم لئلا يهربوا، فإذا شد منهم الوثاق اطمأن المسلمون من هربهم ومن شرهم، فإذا كانوا تحت أسركم، فأنتم بالخيار بين المن عليهم، وإطلاقهم بلا مال ولا فداء، وإما أن تفدوهم بأن لا تطلقوهم حتى يشتروا أنفسهم، أو يشتريهم أصحابهم بمال، أو بأسير مسلم عندهم. وهذا الأمر مستمر { حتى تضع الحرب أوزارها } أي: حتى لا يبقى حرب، وتبقون في المسألة والمهادنة، فإن لكل مقام مقالا، ولكل حال حكما، فالحال المتقدمة، إنما هي إذا كان قتال وحرب. فإذا كان في بعض الأوقات، لا حرب فيه لسبب من الأسباب، فلا قتل ولا أسر. { ذلك } الحكم المذكور في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، ومداولة الأيام بينهم، وانتصار بعضهم على بعض { ولو يشآء الله لانتصر منهم } فإنه تعالى على كل شيء قدير، وقادر على أن لا ينتصر الكفار في موضع واحد أبدا، حتى يبيد المسلمون خضراءهم. { ولكن ليبلوا بعضكم ببعض } ليقوم سوق الجهاد، ويتبين بذلك أحوال العباد، الصادق من الكاذب، وليؤمن من آمن إيمانا صحيحا عن بصيرة، لا إيمانا مبنيا على متابعة أهل الغلبة، فإنه إيمان ضعيف جدا، لا يكاد يستمر لصاحبه عند المحن والبلايا. { والذين قتلوا في سبيل الله } لهم ثواب جزيل، وأجر جميل، وهم الذين قاتلوا من أمروا بقتالهم، لتكون كلمة الله هي العليا. فهؤلاء لن يضل الله أعمالهم، أي: لن يحبطها ويبطلها، بل يتقبلها وينميها لهم، ويظهر من أعمالهم نتائجها، في الدنيا والآخرة. { سيهديهم } إلى سلوك الطريق الموصلة إلى الجنة، { ويصلح بالهم } أي: حالهم وأمورهم، وثوابهم يكون صالحا كاملا لا نكد فيه ولا تنغيص بوجه من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مرشدا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} أي: إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدا بالسيوف، {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا} أي: أهلكتموهم قتلا {فشدوا} [وثاق] (1) الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشاطرونهم عليه. والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله، سبحانه، عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذوا منهم الفداء، والتقلل من القتل يومئذ فقال: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 67، 68] . ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية -المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه-منسوخة بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد] } (2) الآية [التوبة: 5] ، رواه العوفي عن ابن عباس. وقاله قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريج. وقال الآخرون -وهم الأكثرون-: ليست بمنسوخة. ثم قال بعضهم: إنما الإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله. وقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء، لحديث قتل النبي صلى الله عليه وسلم النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط من أسارى بدر، وقال ثمامة بن أثال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت (3) . وزاد الشافعي، رحمه الله، فقال: الإمام مخير بين قتله أو المن عليه، أو مفاداته أو استرقاقه أيضا. وهذه المسألة محررة في علم الفروع، وقد دللنا على ذلك في كتابنا "الأحكام"، ولله الحمد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الدنيا والآخرة {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 6] يقول: ويدخلهم الله جنته عرفها، يقول: عرفها وبينها لهم، حتى إن الرجل ليأتي منزله منها إذا دخلها كما كان يأتي منزله في الدنيا، لا يشكل عليه ذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/١٩١) ↗التحرير والتنوير
فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها. لا شك أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر لأن فيها قوله: حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق. وهو الحكم الذي نزل فيه العقاب على ما وقع يوم بدر من فداء الأسرى التي في قوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض [الأنفال: 67] الآية إذ لم يكن حكم ذلك مقررا يومئذ، وتقدم في سورة الأنفال. والفاء لتفريع هذا الكلام على ما قبله من إثارة نفوس المسلمين بتشنيع حال المشركين وظهور خيبة أعمالهم وتنويه حال المسلمين وتوفيق آرائهم. والمقصود: تهوين شأنهم في قلوب المسلمين وإغراؤهم بقطع دابرهم ليكون الدين كله لله، لأن ذلك أعظم من منافع فداء أسراهم بالمال ليعبد المسلمون ربهم آمنين. وذلك ناظر إلى آية سورة الأنفال وإلى ما يفيده التعليل من قوله: حتى تضع الحرب أوزارها. و (إذ) ظرف للمستقبل مضمنة معنى الشرط، وذلك غالب استعمالها وجواب الشرط قوله: فضرب الرقاب. واللقاء في قوله: فإذا لقيتم الذين كفروا: المقابلة، وهو إطلاق شهير للقاء، يقال: يوم اللقاء، فلا يفهم منه إلا لقاء الحرب، ويقال: إن لقيت فلانا لقيت منه أسدا، وقال النابغة: تجنب بني حن فإن لقاءهم ... كريه وإن لم تلق إلا بصائر فليس المعنى: إذا لقيتم الكافرين في الطريق، أو نحو ذلك وبذلك لا يحتاج لذكر مخصص لفعل لقيتم. والمعنى: فإذا قاتلتم المشركين في المستقبل فأمعنوا في قتلهم حتى إذا رأيتم أن قد خضدتم شوكتهم، فأسروا منهم أسرى. وضرب الرقاب: كناية مشهورة يعبر بها عن القتل سواء كان …
أكمل القراءة في الكتاب ↗