البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة محمد · الآية ٢٢

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { ويقول الذين آمنوا } استعجالا ومبادرة للأوامر الشاقة: { لولا نزلت سورة } أي: فيها الأمر بالقتال. { فإذآ أنزلت سورة محكمة } أي: ملزم العمل بها، { وذكر فيها القتال } الذي هو أشق شيء على النفوس، لم يثبت ضعفاء الإيمان على امتثال هذه الأوامر، ولهذا قال: { رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } من كراهتهم لذلك، وشدته عليهم. وهذا كقوله تعالى: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية [النساء: 77]. ثم ندبهم تعالى إلى ما هو الأليق بحالهم، فقال: { فأولى لهم * طاعة وقول معروف } أي: فأولى لهم أن يمتثلوا الأمر الحاضر المحتم عليهم، ويجمعوا عليه هممهم، ولا يطلبوا أن يشرع لهم ما هو شاق عليهم، وليفرحوا بعافية الله تعالى وعفوه. { فإذا عزم الأمر } أي: جاءهم الأمر جد، وأمر محتم، ففي هذه الحال لو صدقوا الله بالاستعانة به، وبذل الجهد في امتثاله { لكان خيرا لهم } من حالهم الأولى، وذلك من وجوه: منها: أن العبد ناقص من كل وجه، لا قدرة له إلا إن أعانه الله، فلا يطلب زيادة على ما هو قائم بصدده. ومنها: أنه إذا تعلقت نفسه بالمستقبل، ضعف عن العمل، بوظيفة وقته، وبوظيفة المستقبل، أما الحال، فلأن الهمة انتقلت عنه إلى غيره، والعمل تبع للهمة، وأما المستقبل، فإنه لا يجيء حتى تفتر الهمة عن نشاطها فلا يعان عليه. ومنها: أن العبد المؤمل للآمال المستقبلة، مع كسله عن عمل الوقت الحاضر، شبيه بالمتألي الذي يجزم بقدرته، على ما يستقبل من أموره، فأحرى به أن يخذل ولا يقوم بما هم به ووطن نفسه عليه، فالذي ينبغي أن يجمع العبد همه وفكرته ونشاطه على وقته الحاضر، ويؤدي وظيفته بحسب قدرته، ثم كلما جاء وقت استقبله بنشاط وهمة عالية مجتمعة غير متفرقة، مستعينا بربه في ذلك، فهذا حري بالتوفيق والتسديد في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال. وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من طرق عديدة، ووجوه كثيرة. قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، حدثني معاوية بن أبي مزرد، عن سعيد بن يسار (2) ، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن عز وجل، فقال: مه! فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك (3) . قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} (4) . ثم رواه البخاري من طريقين آخرين، عن معاوية بن أبي مزرد، به. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرؤوا إن شئتم: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} (5) ورواه مسلم من حديث معاوية بن أبي مزرد، به (6) . وقال (7) الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل أخبرنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن أبيه، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ذنب أحرى أن يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم". رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من حديث إسماعيل -هو ابن علية-به (8) . وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال (9) الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سره النساء في الأجل، والزيادة في الرزق، فليصل رحمه" (10) . تفرد به أحمد، وله شاهد في الصحيح.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣١٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الذين جمعتهم وإياه رحم والدة واحدة، وقطع ذلك ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها وأوجب من برها ووصلها أداء الواجب لها إليها: من حقوق الله التي أوجب لها، والتعطف عليها بما يحق التعطف به عليها. وأن التي مع يوصل في محل خفض بمعنى ردها على موضع الهاء التي في به فكان معنى الكلام: ويقطعون الذي أمر الله بأن يوصل. والهاء التي في به هي كناية عن ذكر أن يوصل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١/٤٤٠) ↗

التحرير والتنوير

ومعنى صدقوا الله قالوا له الصدق، وهو مطابقة الكلام لما في نفس الأمر، أي لو صدقوا في قولهم: نحن مؤمنون، وهم إنما كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أظهروا له خلاف ما في نفوسهم، فجعل الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبا على الله تفظيعا له وتهويلا لمغبته، أي لو أخلصوا الإيمان وقاتلوا بنية الجهاد لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا خير العزة والحرمة وفي الآخرة خير الجنة. فهذه الآية إنباء مما سيكون منهم حين يجد الجد ويجيء أوان القتال وهي من معجزات القرآن في الإخبار بالغيب فقد عزم أمر القتال يوم أحد وخرج المنافقون مع جيش المسلمين في صورة المجاهدين فلما بلغ الجيش إلى الشوط بين المدينة وأحد قال عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين: ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ ورجع هو وأتباعه وكانوا ثلث الجيش وذلك سنة ثلاث من الهجرة، أي بعد نزول هذه الآية بنحو ثلاث سنين. وقوله: فلو صدقوا الله جواب كما تقدم، وفي الكلام إيجاز لأن قوله: لكان خيرا يؤذن بأنه إذا عزم الأمر حصل لهم ما لا خير فيه. ولفظ خيرا ضد الشر بوزن فعل، وليس هو هنا بوزن أفعل. [22] 22] فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) مقتضى تناسق النظم أن هذا مفرع على قوله: فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم [محمد: 21] لأنه يفهم منه أنه إذا عزم الأمر تولوا عن القتال وانكشف نفاقهم فتكون إتماما لما في الآية السابقة من الإنباء بما سيكون من المنافقين يوم أحد. وقد قال عبد الله بن أبي: علام نقتل أنفسنا هاهنا؟ وربما قال في كلامه: وكيف نقاتل قريشا وهم من قومنا، وكان لا يرى على أهل يثرب أن يقاتلوا مع النبيء صلى الله عليه وسلم ويرى الاقتصار على أنهم آووه. والخطاب موجه إلى الذين في قلوبهم مرض على الالتفات. والاستفهام مستعمل في التكذيب لما سيعتذرون به لا نخزالهم ولذلك جيء فيه

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١١١) ↗