سورة الأحقاف · الآية ٢١
﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف } إلى آخر القصة أي: { واذكر } بالثناء الجميل { أخا عاد } وهو هود عليه السلام، حيث كان من الرسل الكرام، الذين فضلهم الله تعالى بالدعوة إلى دينه، وإرشاد الخلق إليه. { إذ أنذر قومه } وهم عاد { بالأحقاف } أي: في منازلهم المعروفة بالأحقاف، وهي: الرمال الكثيرة في أرض اليمن. { وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه } فلم يكن بدعا منهم ولا مخالفا لهم، قائلا لهم: { ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم }. فأمرهم بعبادة الله، الجامعة لكل قول سديد وعمل حميد، ونهاهم عن الشرك والتنديد، وخوفهم - إن لم يطيعوه - العذاب الشديد، فلم تفد فيهم تلك الدعوة. { قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا } أي: ليس لك من القصد، ولا معك من الحق، إلا أنك حسدتنا على آلهتنا، فأردت أن تصرفنا عنها. { فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين } وهذا غاية الجهل والعناد. { قال إنما العلم عند الله } فهو الذي بيده أزمة الأمور ومقاليدها، وهو الذي يأتيكم بالعذاب إن شاء. { وأبلغكم مآ أرسلت به } أي: ليس علي إلا البلاغ المبين، { ولكني أراكم قوما تجهلون } فلذلك صدر منكم ما صدر من هذه الجرأة الشديدة، فأرسل الله عليهم العذاب العظيم، وهو الريح التي دمرتهم وأهلكتهم، ولهذا قال: { فلما رأوه } أي: العذاب { عارضا مستقبل أوديتهم } أي: معترضا كالسحاب، قد أقبل على أوديتهم التي تسيل، فتسقي نوابتهم، ويشربون من آبارها وغدرانها. { قالوا } مستبشرين: { هذا عارض ممطرنا } أي: هذا السحاب سيمطرنا. قال تعالى: { بل هو ما استعجلتم به } أي: هذا الذي جنيتم به على أنفسكم، حيث قلتم: { فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين } { ريح فيها عذاب أليم } { تدمر كل شيء } تمر عليه من شدتها ونحسها. فسلطها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية [الحاقة: 7] [ { بأمر ربها } أي: بإذنه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
استعجلوا عذاب الله وعقوبته، استبعادا منهم وقوعه، كقوله: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} [الشورى: 18] . {قال إنما العلم عند الله} (1) أي: الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فيفعل (2) ذلك بكم، وأما أنا فمن شأني أني أبلغكم ما أرسلت به، {ولكني أراكم قوما تجهلون} أي: لا تعقلون ولا تفهمون. قال الله تعالى: {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم} أي: لما رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا أنه عارض ممطر، ففرحوا واستبشروا به (3) ، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر، قال الله تعالى: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} أي: هو العذاب الذي قلتم: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} {تدمر} أي: تخرب {كل شيء} من بلادهم، مما من شأنه الخراب {بأمر ربها} أي: بإذن الله لها في ذلك، كقوله: {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} [الذاريات: 42] أي: كالشيء البالي. ولهذا قال: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} أي: قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية، {كذلك نجزي القوم المجرمين} أي: هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا، وخالف أمرنا. وقد ورد حديث في قصتهم وهو غريب جدا من غرائب الحديث وأفراده، قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال: حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت بها المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال: فجلست، فدخل منزله -أو قال: رحله-فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال: "هل كان …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أخا عاد، فإن الله بعثك إليهم كالذي بعثه إلى عاد، فخوفهم أن يحل بهم من نقمة الله على كفرهم ما حل بهم إذ كذبوا رسولنا هودا إليهم، إذ أنذر قومه عادا بالأحقاف والأحقاف: جمع حقف وهو من الرمل ما استطال، ولم يبلغ أن يكون جبلا، وإياه عنى الأعشى: فبات إلى أرطاة حقف تلفه %~% خريق شمال يترك الوجه أقتما واختلف أهل التأويل في الموضع الذي به هذه الأحقاف، فقال بعضهم: هي جبل بالشام
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/١٥٠) ↗التحرير والتنوير
وقرأ الجمهور أذهبتم بهمزة واحدة على أنه خبر مستعمل في التوبيخ. وقرأه ابن كثير أأذهبتم بهمزتين على الاستفهام التوبيخي. [21] 21] واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) سيقت قصة هود وقومه مساق الموعظة للمشركين الذين كذبوا بالقرآن كما أخبر الله عنهم من أول هذه السورة في قوله: والذين كفروا عما أنذروا معرضون [الأحقاف: 3] مع ما أعقبت به من الحجج المتقدمة من قوله: قل أرأيتم ما تدعون من دون الله [الأحقاف: 4] الذي يقابله قول هود أن لا تعبدوا إلا الله ثم قوله: قل ما كنت بدعا من الرسل [الأحقاف: 9] الذي يقابله قوله: وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه، ذلك كله بالموعظة بحال هود مع قومه. وسيقت أيضا مساق الحجة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى عناد قومه بذكر مثال لحالهم مع رسولهم بحال عاد مع رسولهم. ولها أيضا موقع التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم على ما تلقاه به قومه من العناد والبهتان لتكون موعظة وتسلية معا يأخذ كل منها ما يليق به. ولا تجد كلمة أجمع للمعنيين مع كلمة اذكر لأنها تصلح لمعنى الذكر اللساني بأن يراد أن يذكر ذلك لقومه، ولمعنى الذكر بالضم بأن يتذكر تلك الحالة في نفسه وإن كانت تقدمت له وأمثالها لأن في التذكر مسلاة وأسوة كقوله تعالى: اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد في سورة ص [17] . وكلا المعنيين ناظر إلى قوله آنفا قل ما كنت بدعا من الرسل فإنه إذا قال لهم ذلك تذكروا ما يعرفون من قصص الرسل مما قصه عليهم القرآن من قبل وتذكر هو لا محالة أحوال رسل كثيرين ثم جاءت قصة هود مثالا لذلك. ومشركو مكة إذا تذكروا في حالهم وحال عاد وجدوا الحالين متماثلين فيجدر بهم أن يخافوا من أن يصيبهم مثل ما أصابهم. والاقتصار على ذكر عاد لأنهم أول الأمم العربية الذين جاءهم رسول بعد
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٤٤) ↗