سورة الأحقاف · الآية ١٩
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى حال الصالح البار لوالديه، ذكر حالة العاق، وأنها شر الحالات، فقال: { والذي قال لوالديه } إذ دعواه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وخوفاه الجزاء. وهذا أعظم إحسان يصدر من الوالدين لولدهما، أن يدعواه إلى ما فيه سعادته الأبدية، وفلاحه السرمدي، فقابلهما بأقبح مقابلة، فقال: { أف لكمآ } أي: تبا لكما، ولما جئتما به. ثم ذكر وجه استبعاده وإنكاره لذلك فقال: { أتعدانني أن أخرج } من قبري إلى يوم القيامة { وقد خلت القرون من قبلي } على التكذيب، وسلفوا على الكفر، وهم الأئمة المقتدى بهم، لكل كفور وجهول ومعاند؟ { وهما } أي: والداه { يستغيثان الله } عليه، ويقولان له: { ويلك آمن } أي: يبذلان غاية جهدهما، ويسعيان في هدايته أشد السعي، حتى إنهما - من حرصهما عليه - أنهما يستغيثان الله له، استغاثة الغريق، ويسألانه سؤال الشريق، ويعذلان ولدهما، ويتوجعان له، ويبينان له الحق، فيقولان: { إن وعد الله حق } ثم يقيمان عليه من الأدلة ما أمكنهما، وولدهما لا يزداد إلا عتوا ونفورا، واستكبارا عن الحق وقدحا فيه، { فيقول ما هذآ إلا أساطير الأولين } أي: إلا منقول من كتب المتقدمين، ليس من عند الله، ولا أوحاه الله إلى رسوله، وكل أحد يعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولا تعلم من أحد، فمن أين يتعلمه؟ وأنى للخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟ { أولئك الذين } بهذه الحالة الذميمة { حق عليهم القول } أي: حقت عليهم كلمة العذاب { في } جملة { أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس } على الكفر والتكذيب، فسيدخل هؤلاء في غمارهم، وسيغرقون في تيارهم. { إنهم كانوا خاسرين } والخسران فوات رأس مال الإنسان، وإذا فقد رأس ماله، فالأرباح من باب أولى وأحرى، فهم قد فاتهم الإيمان، ولم يحصلوا على شيء من النعيم، ولا سلموا من عذاب الجحيم. { ولكل } من أهل الخير وأهل الشر { درجت مما عملوا } أي: كل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارين بهما وما لهم عنده من الفوز والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين للوالدين فقال: {والذي قال لوالديه أف لكما} -وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه. وروى العوفي، عن ابن عباس: أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق. وفي صحة هذا نظر، والله أعلم. وقال ابن جريج، عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر. وهذا أيضا قاله ابن جريج. وقال آخرون: عبد الرحمن بن أبي بكر. وقاله (1) السدي. وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق، فقال لوالديه: {أف لكما} عقهما. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرني عبد الله بن المديني قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان، فقال: إن الله أرى (2) أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: أهرقلية؟! إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحدا من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده. فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: أف لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك؟ قال: وسمعتهما عائشة فقالت: يا مروان، أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ كذبت، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان. ثم انتحب مروان، ثم نزل عن المنبر حتى أتى باب حجرتها،فجعل يكلمها حتى انصرف (3) . وقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر، فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/١٤٥) ↗التحرير والتنوير
ويجوز أن يكون أولئك إشارة إلى الأولين من قوله: فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين [الأحقاف: 17] ، وهم الذين روي أن ابن أبي بكر ذكرهم حين قال: فأين عبد الله بن جدعان، وأين عثمان بن عمرو، ومشائخ قريش كما تقدم آنفا. واستحضار هذا الفريق بطريق اسم الإشارة لزيادة تمييز حالهم العجيبة. وتعريف القول تعريف العهد وهو قول معهود عند المسلمين لما تكرر في القرآن من التعبير عنه بالقول في نحو آية قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين [ص: 84، 85] ، ونحو قوله: أفمن حق عليه كلمة العذاب [الزمر: 19] ، فإن الكلمة قول، ونحو قوله: لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون [يس: 7] الآية. وإطلاقه في هذه الآية رشيق لصلوحية. وإقحام كانوا خاسرين دون أن يقال: إنهم خاسرون، للإشارة إلى أن خسرانهم محقق فكني عن ذلك بجعلهم كائنين فيه. وتأكيد الكلام بحرف (إن) لأنهم يظنون أن ما حصل لهم في الدنيا من التمتع بالطيبات فوزا ليس بعده نكد لأنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء، فشبهت حالة ظنهم هذا بحال التاجر الذي قل ربحه من تجارته فكان أمره خسرا، وقد تقدم غير مرة منها قوله تعالى: فما ربحت تجارتهم في البقرة [16] . وإيراد فعل الكون بقوله: كانوا خاسرين دون الاقتصار على خاسرين لأن (كان) تدل على أن الخسارة متمكنة منهم. [19] 19] ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون (19) عطف على الكلام السابق من قوله: أولئك الذين يتقبل عنهم [الأحقاف: 16] ثم قوله: أولئك الذين حق عليهم القول [الأحقاف: 18] إلخ. وتنوين (كل) تنوين عوض عما تضاف إليه كل وهو مقدر يعلم من السياق، أي ولكل الفريقين المؤمن البار بوالديه والكافر الجامع بين الكفر والعقوق
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٤٠) ↗