سورة الأحقاف · الآية ١٦
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا من لطفه تعالى بعباده وشكره للوالدين، أن وصى الأولاد وعهد إليهم أن يحسنوا إلى والديهم بالقول اللطيف، والكلام اللين، وبذل المال والنفقة، وغير ذلك من وجوه الإحسان. ثم نبه على ذكر السبب الموجب لذلك، فذكر ما تحملته الأم من ولدها وما قاسته من المكاره وقت حملها، ثم مشقة ولادتها المشقة الكبيرة، ثم مشقة الرضاع وخدمة الحضانة، وليست المذكورات مدة يسيرة، ساعة أو ساعتين، وإنما ذلك مدة طويلة قدرها { ثلثون شهرا } للحمل تسعة أشهر ونحوها، والباقي للرضاع، هذا هو الغالب. ويستدل بهذه الآية مع قوله: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [البقرة: 233] أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأن مدة الرضاع - وهي سنتان - إذا سقطت من الثلاثين شهرا، بقي ستة أشهر، مدة للحمل { حتى إذا بلغ أشده } أي: نهاية قوته وشبابه، وكمال عقله، { وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني } أي: ألهمني ووفقني { أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي } أي: نعم الدين، ونعم الدنيا، وشكره بصرف النعم في طاعة مسديها وموليها، ومقابلته منته، بالاعتراف والعجز عن الشكر، والاجتهاد في الثناء بها على الله، والنعم على الوالدين، نعم على أولادهم وذريتهم، لأنهم لا بد أن ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها، خصوصا نعم الدين، فإن صلاح الوالدين بالعلم والعمل، من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم. { وأن أعمل صلحا ترضه } بأن يكون جامعا لما يصلحه، سالما مما يفسده، فهذا العمل الذي يرضاه الله ويقبله، ويثيب عليه. { وأصلح لي في ذريتي } لما دعا لنفسه بالصلاح، دعا لذريته أن يصلح الله أحوالهم، وذكر أن صلاحهم يعود نفعه على والديهم لقوله: { وأصلح لي }. { إني تبت إليك } من الذنوب والمعاصي، ورجعت إلى طاعتك { وإني من المسلمين }. { أولئك } الذين ذكرت أوصافهم { الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا } وهو الطاعات، لأنهم يعملون أيضا غيرها. { ونتجاوز عن سيئاتهم } في جملة { أصحاب الجنة } فحصل لهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ورواه مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه، من حديث شعبة بإسناده، نحوه وأطول منه (1) . {حملته أمه كرها} أي: قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا، من وحام وغشيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، {ووضعته كرها} أي: بمشقة أيضا من الطلق وشدته، {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} وقد استدل علي، رضي الله عنه، بهذه الآية مع التي في لقمان: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] ، وقوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] ، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح. ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة، رضي الله عنهم. قال محمد بن إسحاق بن يسار، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن بعجة (2) بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها، فقالت: ما يبكيك؟! فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله غيره قط، فيقضي الله في ما شاء. فلما أتي بها عثمان أمر برجمها، فبلغ ذلك عليا فأتاه، فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدت تماما لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له [علي] (3) أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال: أما سمعت الله يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} وقال: { [يرضعن أولادهن] حولين كاملين} (4) ، فلم نجده بقى إلا ستة أشهر، قال: فقال عثمان: والله ما فطنت لهذا، علي بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها، قال: فقال بعجة: فوالله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه. فلما رآه أبوه قال: ابني إني والله لا أشك فيه، قال: وأبلاه (5) الله بهذه القرحة قرحة الأكلة، فما زالت تأكله حتى مات (6) . رواه ابن أبي حاتم، وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله: {فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/١٤١) ↗التحرير والتنوير
واللام في وأصلح لي لام العلة، أي أصلح في ذريتي لأجلي ومنفعتي كقوله تعالى: ألم نشرح لك صدرك [الشرح: 1] . ونكتة زيادة هذا في الدعاء أنه بعد أن أشار إلى نعم الله عليه وعلى والديه تعرض إلى نفحات الله فسأله إصلاح ذريته وعرض بأن إصلاحهم لفائدته، وهذ تمهيد لبساط الإجابة كأنه يقول: كما ابتدأتني بنعمتك وابتدأت والدي بنعمتك ومتعتهما بتوفيقي إلى برهما، كمل إنعامك بإصلاح ذريتي فإن إصلاحهم لي. وهذه ترقيات بديعة في درجات القرب. ومعنى ظرفية في ذريتي أن ذريته نزلت منزلة الظرف يستقر فيه ما هو به الإصلاح ويحتوي عليه، وهو يفيد تمكن الإصلاح من الذرية وتغلغله فيهم. ونظيره في الظرفية قوله تعالى: وجعلها كلمة باقية في عقبه [الزخرف: 28] . وجملة إني تبت إليك كالتعليل للمطلوب بالدعاء تعليل توسل بصلة الإيمان والإقرار بالنعمة والعبودية. وحرف (إن) للاهتمام بالخبر كما هو ظاهر، وبذلك يستعمل حرف (إن) في مقام التعليل ويغني غناء الفاء. والمراد بالتوبة: الإيمان لأنه توبة من الشرك، وبكونه من المسلمين أنه تبع شرائع الإسلام وهي الأعمال. وقال: من المسلمين دون أن يقول: وأسلمت كما قال: تبت إليك لما يؤذن به اسم الفاعل من التلبس بمعنى الفعل في الحال وهو التجدد لأن الأعمال متجددة متكررة، وأما الإيمان فإنما يحصل دفعة فيستقر لأنه اعتقاد، وفيه الرعي على الفاصلة. هذا وجه تفسير الآية بما تعطيه تراكيبها ونظمها دون تكلف ولا تحمل، وهي عامة لكل مسلم أهل لوصاية الله تعالى بوالديه والدعاء لهما إن كانا مؤمنين. [16] 16] أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) جيء باسم الإشارة للغرض الذي ذكرناه آنفا عند قوله: أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها [الأحقاف: 14] . وكونه إشارة جمع ومخبرة عنه بألفاظ الجمع ظاهر في أن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٣٤) ↗