سورة الجاثية · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى خبرا يتضمن الأمر بتعظيم القرآن والاعتناء به، وأنه { تنزيل } { من الله } المألوه المعبود، لما اتصف به من صفات الكمال، وانفرد به من النعم، الذي له العزة الكاملة والحكمة التامة، ثم أيد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقية والنفسية، من خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من الدواب، وما أودع فيهما من المنافع، وما أنزل الله من الماء، الذي يحيي به الله البلاد والعباد. فهذه كلها آيات بينات، وأدلة واضحات، على صدق هذا القرآن العظيم، وصحة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالات أيضا على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنشور. ثم قسم تعالى الناس، بالنسبة إلى الانتفاع بآياته وعدمه، إلى قسمين: قسم يستدلون بها، ويتفكرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إيمانا تاما، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكى منهم العقول، وازدادت به معارفهم وألبابهم وعلومهم. وقسم يسمع آيات الله سماعا تقوم به الحجة عليهم، ثم يعرض عنها ويستكبر، كأنه ما سمعها، لأنها لم تزك قلبه، ولا طهرته، بل بسبب استكباره عنها ازداد طغيانه. وأنه إذا علم من آيات الله شيئا اتخذها هزوا، فتوعده الله تعالى بالويل فقال: { ويل لكل أفاك أثيم } أي: كذاب في مقاله، أثيم في فعاله. وأخبر أن له عذابا أليما، وأن { من ورآئهم جهنم } تكفي في عقوبتهم البليغة. وأنه { ولا يغني عنهم ما كسبوا } من الأموال { ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء } يستنصرون بهم فخذلوهم، أحوج ما كانوا إليهم لو نفعوا. فلما بين آياته القرآنية والعيانية، وأن الناس فيها على قسمين، أخبر أن القرآن المشتمل على هذه المطالب العالية، أنه هدى، فقال: { هذا هدى } وهذا وصف عام لجميع القرآن، فإنه يهدي إلى معرفة الله تعالى، بصفاته المقدسة، وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله، وأوليائه وأعدائه، وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة ويدعو إليها، ويبين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: لما واجه حزب الإيمان -وهم قليل-من أصحاب طالوت لعدوهم أصحاب جالوت -وهم عدد كثير- {قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا} أي: أنزل علينا صبرا من عندك {وثبت أقدامنا} أي: في لقاء الأعداء وجنبنا الفرار والعجز {وانصرنا على القوم الكافرين} قال الله تعالى: {فهزموهم بإذن الله} أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم {وقتل داود جالوت} ذكروا في الإسرائيليات: أنه قتله بمقلاع كان في يده رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته ويشركه (1) في أمره فوفى له ثم آل (2) الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة؛ ولهذا قال تعالى: {وآتاه الله الملك} الذي كان بيد طالوت {والحكمة} أي: النبوة بعد شمويل {وعلمه مما يشاء} أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} الآية [الحج:40] . وقال ابن جرير، رحمه الله: حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء". ثم قرأ ابن عمر: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} (3) وهذا إسناد ضعيف فإن يحيى بن سعيد [هذا] (4) هو أبو زكريا العطار الحمصي وهو ضعيف جدا. ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو حميد الحمصي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يبعث لهم طالوت ملكا وما بعدها من الآيات إلى قوله: {ولكن الله ذو فضل على العالمين} [البقرة: 251] ويعني بقوله: {آيات الله} [البقرة: 231] حججه وأعلامه وأدلته. يقول الله تعالى ذكره: فهذه الحجج التي أخبرتك بها يا محمد، وأعلمتك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٤/٥١٨) ↗التحرير والتنوير
وعدد آيها في عد المدينة ومكة والشام والبصرة ست وثلاثون. وفي عد الكوفة سبع وثلاثون لاختلافهم في عد لفظ حم آية مستقلة. الابتداء بالتحدي بإعجاز القرآن وأنه جاء بالحق توطئة لما سيذكر بأنه حق كما اقتضاه قوله تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق [الجاثية: 6] . وإثبات انفراد الله تعالى بالإلهية بدلائل ما في السماوات والأرض من آثار خلقه وقدرته في جواهر الموجودات وأعراضها وإدماج ما فيها مع ذلك من نعم يحق على الناس شكرها لا كفرها. ووعيد الذين كذبوا على الله والتزموا الآثام بالإصرار على الكفر والإعراض عن النظر في آيات القرآن والاستهزاء بها. والتنديد على المشركين إذ اتخذوا آلهة على حسب أهوائهم وإذ جحدوا البعث، وتهديدهم بالخسران يوم البعث، ووصف أهوال ذلك، وما أعد فيه من العذاب للمشركين ومن رحمة للمؤمنين. ودعاء المسلمين للإعراض عن إساءة الكفار لهم والوعد بأن الله سيخزي المشركين. ووصف بعض أحوال يوم الجزاء. ونظر الذين أهملوا النظر في آيات الله مع تبيانها وخالفوا على رسولهم صلى الله عليه وسلم فيما فيه صلاحهم بحال بني إسرائيل في اختلافهم في كتابهم بعد أن جاءهم العلم وبعد أن اتبعوه فما ظنك بمن خالف آيات الله من أول وهلة تحذيرا لهم من أن يقعوا فيما وقع فيه بنو إسرائيل من تسليط الأمم عليهم وذلك تحذير بليغ. وذلك تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم بأن شأن شرعه مع قومه كشأن شريعة موسى لا تسلم من مخالف، وأن ذلك لا يقدح فيها ولا في الذي جاء بها، وأن لا يعبأ بالمعاندين ولا بكثرتهم إذ لا وزن لهم عند الله. [1] 1] بسم الله الرحمن الرحيم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٢٤) ↗