البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الجاثية · الآية ٣٧

﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن سعة ملكه، وانفراده بالتصرف والتدبير في جميع الأوقات، وأنه { يوم تقوم الساعة } ويجمع الخلائق لموقف القيامة، يحصل الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحضوا به الحق، وكانت أعمالهم باطلة، لأنها متعلقه بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين به الحقائق، واضمحلت عنهم، وفاتهم الثواب، وحصلوا على أليم العقاب. ثم وصف تعالى شدة يوم القيامة وهوله ليحذره العباد، ويستعد له العباد، فقال: { وترى } أيها الرائي لذلك اليوم { كل أمة جاثية } على ركبها خوفا وذعرا، وانتظارا لحكم الملك الرحمن. { كل أمة تدعى إلى كتابها } أي: إلى شريعة نبيهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصل لهم الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصل لهم الخسران؟ فأمة موسى يدعون إلى شريعة موسى، وأمة عيسى كذلك، وأمة محمد كذلك، وهكذا غيرهم كل أمة تدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيح في نفسه، غير مشكوك فيه، ويحتمل أن المراد بقوله: { كل أمة تدعى إلى كتابها } أي: إلى كتاب أعمالها، وما سطر عليها من خير وشر، وأن كل أحد يجازى بما عمله بنفسه، كقوله تعالى: من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها [فصلت: 46]. ويحتمل أن المعنيين كليهما مراد من الآية، ويدل على هذا قوله: { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق } أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم، يفصل بينكم بالحق الذي هو العدل، { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } فهذا كتاب الأعمال، ولهذا فصل ما يفعل الله بالفريقين فقال: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } إيمانا صحيحا، وصدقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة، من واجبات ومستحبات، { فيدخلهم ربهم في رحمته } التي محلها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، والعيش السليم، { ذلك هو الفوز المبين } أي: المفاز والنجاة والربح، والفلاح الواضح البين، الذي إذا حصل للعبد، حصل له كل خير، واندفع عنه كل شر. { وأما الذين كفروا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

وتقديم هم على يستعتبون وهو مسند فعلي بعد حرف النفي هنا تعريض بأن الله يعتب غيرهم، أي يرضي المؤمنين، أي يغفر لهم. [36، 37] فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37) الفاء لتفريع التحميد والثناء على الله تفريعا على ما احتوت عليه السورة من ألطاف الله فيما خلق وأرشد وسخر وأقام من نظم العدالة، والإنعام على المسلمين في الدنيا والآخرة، ومن وعيد للمعرضين واحتجاج عليهم، فلما كان ذلك كله من الله كان دالا على اتصافه بصفات العظمة والجلال وعلى إفضاله على الناس بدين الإسلام كان حقيقا بإنشاء قصر الحمد عليه فيجوز أن يكون هذا الكلام مرادا منه ظاهر الإخبار، ويجوز أن يكون مع ذلك مستعملا في معناه الكنائي وهو أمر الناس بأن يقصروا الحمد عليه. ويجوز أن يكون إنشاء حمد لله تعالى وثناء عليه. وكل ما سبقه من آيات هذه السورة مقتض للوجوه الثلاثة، ونظيره قوله تعالى: فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين في سورة الأنعام [45] . وتقديم (لله) لإفادة الاختصاص، أي الحمد مختص به الله تعالى يعني الحمد الحق الكامل مختص به تعالى كما تقدم في سورة الفاتحة. وإجراء وصف رب السماوات على اسمه تعالى إيماء إلى علة قصر الحمد على الله إخبارا وإنشاء تأكيدا لما اقتضته الفاء في قوله: فلله الحمد. وعطف ورب الأرض بتكرير لفظ رب للتنويه بشأن الربوبية لأن رب السماوات والأرض يحق حمده على أهل السماء والأرض، فأما أهل السماء فقد حمدوه كما أخبر الله عنهم بقوله: والملائكة يسبحون بحمد ربهم [الشورى: 5] . وأما أهل الأرض فمن حمده منهم فقد أدى حق الربوبية ومن حمد غيره وأعرض عنه فقد سجل على نفسه سمة الإباق، وكان بمأوى النار محل استحقاق.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٧٧) ↗