سورة الجاثية · الآية ٣٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن سعة ملكه، وانفراده بالتصرف والتدبير في جميع الأوقات، وأنه { يوم تقوم الساعة } ويجمع الخلائق لموقف القيامة، يحصل الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحضوا به الحق، وكانت أعمالهم باطلة، لأنها متعلقه بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين به الحقائق، واضمحلت عنهم، وفاتهم الثواب، وحصلوا على أليم العقاب. ثم وصف تعالى شدة يوم القيامة وهوله ليحذره العباد، ويستعد له العباد، فقال: { وترى } أيها الرائي لذلك اليوم { كل أمة جاثية } على ركبها خوفا وذعرا، وانتظارا لحكم الملك الرحمن. { كل أمة تدعى إلى كتابها } أي: إلى شريعة نبيهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصل لهم الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصل لهم الخسران؟ فأمة موسى يدعون إلى شريعة موسى، وأمة عيسى كذلك، وأمة محمد كذلك، وهكذا غيرهم كل أمة تدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيح في نفسه، غير مشكوك فيه، ويحتمل أن المراد بقوله: { كل أمة تدعى إلى كتابها } أي: إلى كتاب أعمالها، وما سطر عليها من خير وشر، وأن كل أحد يجازى بما عمله بنفسه، كقوله تعالى: من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها [فصلت: 46]. ويحتمل أن المعنيين كليهما مراد من الآية، ويدل على هذا قوله: { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق } أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم، يفصل بينكم بالحق الذي هو العدل، { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } فهذا كتاب الأعمال، ولهذا فصل ما يفعل الله بالفريقين فقال: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } إيمانا صحيحا، وصدقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة، من واجبات ومستحبات، { فيدخلهم ربهم في رحمته } التي محلها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، والعيش السليم، { ذلك هو الفوز المبين } أي: المفاز والنجاة والربح، والفلاح الواضح البين، الذي إذا حصل للعبد، حصل له كل خير، واندفع عنه كل شر. { وأما الذين كفروا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أجورهم: أدخلهم الجنة". {ويزيدهم من فضله} قال: "الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم". (1) وهذا إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفا فهو جيد (2) . {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك {فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} كما قال تعالى {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] أي: صاغرين حقيرين ذليلين، كما كانوا ممتنعين مستكبرين. يقول تعالى مخاطبا جميع الناس ومخبرا (3) بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهة؛ ولهذا قال: {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} أي: ضياء واضحا على الحق، قال ابن جريج (4) وغيره: وهو القرآن. {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به} أي: جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم. وقال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن. رواه ابن جرير. {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل} أي: يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم، من فضله عليهم وإحسانه إليهم، {ويهديهم إليه صراطا مستقيما} أي: طريقا واضحا قصدا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف. وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. وفي حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القرآن صراط الله المستقيم وحبل الله المتين ". وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير ولله الحمد والمنة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٤٨١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بالطاعة، المتذللون له بالعبودية، والعاملون الصالحات من الأعمال , وذلك أن يردوا على ربهم، قد آمنوا به وبرسله، وعملوا بما أتاهم به رسله من عند ربهم، من فعل ما أمرهم به، واجتناب ما أمرهم باجتنابه {فيوفيهم أجورهم} [آل عمران: 57] يقول: " فيؤتيهم جزاء أعمالهم الصالحة وافيا تاما. {ويزيدهم من فضله} [النساء: 173] يعني جل ثناؤه: ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها من الفضل والزيادة ما لم يعرفهم مبلغه ولم يحد لهم منتهاه. وذلك أن الله وعد من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشر أمثالها من الثواب والجزاء، فذلك هو أجر كل عامل على عمله الصالح من أهل الإيمان المحدود مبلغه، والزيادة على ذلك تفضل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله على عباده؛ غير أن الذي وعد عباده المؤمنين أن يوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة، هو ما حد مبلغه من العشر، والزيادة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٧٠٩) ↗التحرير والتنوير
خبر عنه والجملة استئناف بياني لأن جثو الأمة يثير سؤال سائل عما بعد ذلك الجثو. وقرأه يعقوب بنصب كل على البدل من قوله: وترى كل أمة. وجملة تدعى حال من كل أمة فأعيدت كلمة كل أمة دون اكتفاء بقوله تدعى أو يدعون للتهويل والدعاء إلى الكتاب بالأمم تجثو ثم تدعى كل أمة إلى كتابها فتذهب إليه للحساب، أي يذهب أفرادها للحساب ولو قيل: وترى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها لأوهم أن الجثو والدعاء إلى الكتاب يحصلان معا مع ما في إعادة الخبر مرة ثانية من التهويل. وجملة اليوم تجزون ما كنتم تعملون بدل اشتمال من جملة تدعى إلى كتابها بتقدير قول محذوف، أي يقال لهم اليوم تجزون، أي يكون جزاؤكم على وفق أعمالكم وجريها على وفق ما يوافق كتاب دينكم من أفعالكم في الحسنات والسيئات، وهذا البدل وقع اعتراضا بين جملة وترى كل أمة جاثية وجملة فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات [الجاثية: 30] الآيات. وجملة هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق من مقول القول المقدر، وهي مستأنفة استئنافا بيانيا لتوقع سؤال من يقول منهم: ما هو طريق ثبوت أعمالها. والإشارة إما إلى كتاب شريعة الأمة المدعوة، وإما إلى كتب أفرادها على تأويل الكتاب بالجنس على الوجهتين المتقدمين. وإفراد ضمير ينطق على هذا الوجه مراعاة للفظ كتابنا، فالمعنى هذه كتبنا تنطق عليكم بالحق. وإضافة (كتاب) إلى ضمير الله تعالى بعد أن أضيف إلى كل أمة لاختلاف الملابسة، فالكتاب يلابس الأمة لأنه جعل لإحصاء أعمالهم أو لأن ما كلفوا به مثبت فيه، وإضافته إلى ضمير الله لأنه الآمر به. وإسناد النطق إلى الكتاب مجاز عقلي وإنما تنطق بما في الكتاب ملائكة الحساب، أو استعير النطق للدلالة نحو قولهم: نطقت الحال.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٦٨) ↗