سورة الجاثية · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى خبرا يتضمن الأمر بتعظيم القرآن والاعتناء به، وأنه { تنزيل } { من الله } المألوه المعبود، لما اتصف به من صفات الكمال، وانفرد به من النعم، الذي له العزة الكاملة والحكمة التامة، ثم أيد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقية والنفسية، من خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من الدواب، وما أودع فيهما من المنافع، وما أنزل الله من الماء، الذي يحيي به الله البلاد والعباد. فهذه كلها آيات بينات، وأدلة واضحات، على صدق هذا القرآن العظيم، وصحة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالات أيضا على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنشور. ثم قسم تعالى الناس، بالنسبة إلى الانتفاع بآياته وعدمه، إلى قسمين: قسم يستدلون بها، ويتفكرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إيمانا تاما، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكى منهم العقول، وازدادت به معارفهم وألبابهم وعلومهم. وقسم يسمع آيات الله سماعا تقوم به الحجة عليهم، ثم يعرض عنها ويستكبر، كأنه ما سمعها، لأنها لم تزك قلبه، ولا طهرته، بل بسبب استكباره عنها ازداد طغيانه. وأنه إذا علم من آيات الله شيئا اتخذها هزوا، فتوعده الله تعالى بالويل فقال: { ويل لكل أفاك أثيم } أي: كذاب في مقاله، أثيم في فعاله. وأخبر أن له عذابا أليما، وأن { من ورآئهم جهنم } تكفي في عقوبتهم البليغة. وأنه { ولا يغني عنهم ما كسبوا } من الأموال { ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء } يستنصرون بهم فخذلوهم، أحوج ما كانوا إليهم لو نفعوا. فلما بين آياته القرآنية والعيانية، وأن الناس فيها على قسمين، أخبر أن القرآن المشتمل على هذه المطالب العالية، أنه هدى، فقال: { هذا هدى } وهذا وصف عام لجميع القرآن، فإنه يهدي إلى معرفة الله تعالى، بصفاته المقدسة، وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله، وأوليائه وأعدائه، وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة ويدعو إليها، ويبين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر (1) الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: {إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: "لبيك لا شريك لك (2) ، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك". وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء:25] . وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه، {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل:74] ، تعالى الله عن ذلك. وقوله: {إن الله يحكم بينهم} أي: يوم القيامة، {في ما هم فيه يختلفون} أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} (3) [سبأ:41، 40] . وقوله: {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} أي: لا يرشد إلى الهداية من قصده (4) الكذب والافتراء على الله، وقلبه كفار يجحد بآياته [وحججه] (5) وبراهينه. ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون (6) من اليهود والنصارى في العزير، وعيسى فقال: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء} أي: لكان الأمر على خلاف …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تعالى ذكره: {تنزيل الكتاب} [السجدة: 2] الذي نزلناه عليك يا محمد {من الله العزيز} [الزمر: 1] في انتقامه من أعدائه {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره خلقه، لا من غيره، فلا تكونن في شك من ذلك؛ ورفع قوله: {تنزيل} [السجدة: 2] بقوله: {من الله} [البقرة: 61] وتأويل الكلام: من الله العزيز الحكيم تنزيل الكتاب وجائز رفعه بإضمار هذا، كما قيل: {سورة أنزلناها} [النور: 1] غير أن الرفع في قوله: {تنزيل الكتاب} [السجدة: 2] بما بعده أحسن من رفع سورة بما بعدها، لأن تنزيل وإن كان فعلا، فإنه إلى المعرفة أقرب، إذ كان مضافا إلى معرفة، فحسن رفعه بما بعده، وليس ذلك بالحسن في «سورة» ، لأنه نكرة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٥٤) ↗التحرير والتنوير
حم (1) تقدم القول في نظائره، وهذه جملة مستقلة. [2] تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) استئناف ابتدائي وهو جملة مركبة من مبتدأ وخبر. الكتاب هو المعهود وهو ما نزل من القرآن إلى تلك الساعة. والمقصود: إثبات أن القرآن موحى به من الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فكان مقتضى الظاهر أن يجعل القرآن مسندا إليه ويخبر عنه فيقال القرآن منزل من الله العزيز الحكيم لأن كونه منزلا من الله هو محل الجدال فيقتضي أن يكون هو الخبر ولو أذعنوا لكونه تنزيلا لما كان منهم نزاع في أن تنزيله من الله ولكن خولف مقتضى الظاهر لغرضين: أحدهما: التشويق إلى تلقي الخبر لأنهم إذا سمعوا الابتداء بتنزيل الكتاب استشرفوا إلى ما سيخبر عنه فأما الكافرون فيترقبون أنه سيلقى إليهم وصف جديد لأحوال تنزيل الكتاب فيتهيأون لخوض جديد من جدالهم وعنادهم، والمؤمنون يترقبون لما يزيدهم يقينا بهذا التنزيل. والغرض الثاني: أن يدعى أن كون القرآن تنزيلا أمر لا يختلف فيه فالذين خالفوا فيه كأنهم خالفوا في كونه منزلا من عند الله وهل يكون التنزيل إلا من عند الله فيؤول إلى تأكيد الإخبار بأنه منزل من عند الله إذ لا فرق بين مدلول كونه تنزيلا وكونه من عند الله إلا باختلاف مفهوم المعنيين دون ما صدقيهما على طريقة قوله: لا ريب فيه [البقرة: 2] . وإيثار وصفي العزيز الحكيم بالذكر دون غيرهما من الأسماء الحسنى لإشعار وصف العزيز بأن ما نزل منه مناسب لعزته فهو كتاب عزيز كما وصفه تعالى بقوله: وإنه لكتاب عزيز [فصلت: 41] ، أي هو غالب لمعانديه، وذلك لأنه أعجزهم عن معارضته، ولإشعار وصف الحكيم بأن ما نزل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٢٥) ↗