سورة الجاثية · الآية ١٥
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى عباده المؤمنين بحسن الخلق، والصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله، أي: لا يرجون ثوابه، ولا يخافون وقائعه في العاصين، فإنه تعالى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون. فأنتم يا معشر المؤمنين، يجزيكم على إيمانكم، وصفحكم وصبركم، ثوابا جزيلا، وهم إن استمروا على تكذيبهم فلا يحل بكم ما حل بهم من العذاب الشديد والخزي، ولهذا قال: { من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الجاثية ١٤–١٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض} أي: من الكواكب والجبال، والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به، أي: الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه؛ ولهذا قال: {جميعا منه} أي: من عنده وحده لا شريك له في ذلك، كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} [النحل: 53] . وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} كل شيء هو من الله، وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعا منه، ولا ينازعه فيه المنازعون، واستيقن أنه كذلك. وقال (1) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفرياني، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي أراكة قال: سأل رجل عبد الله بن عمرو قال: مم خلق الخلق؟ قال: من النور والنار، والظلمة والثرى. قال وائت ابن عباس فاسأله. فأتاه فقال له مثل ذلك، فقال: ارجع إليه فسله: مم خلق ذلك كله؟ فرجع إليه فسأله، فتلا {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} هذا أثر غريب، وفيه نكارة. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} وقوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} أي: يصفحوا عنهم ويحملوا (2) الأذى منهم. وهذا كان في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب، ليكون ذلك لتأليف قلوبهم (3) ، ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد. هكذا روي عن ابن عباس، وقتادة. وقال مجاهد [في قوله] (4) {لا يرجون أيام الله} لا يبالون (5) نعم الله. وقوله: {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} أي: إذا صفحوا (6) عنهم في الدنيا، فإن الله مجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة؛ ولهذا قال: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون} أي: تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم [عليه] (7) فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٦٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
المعاد من الله الجنة والنجاة من النار {ومن أساء فعليها} [فصلت: 46] يقول: ومن عمل بمعاصي الله فيها، فعلى نفسه جنى، لأنه أكسبها بذلك سخط الله، والعقاب الأليم {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] يقول تعالى ذكره: وما ربك يا محمد بحامل عقوبة ذنب مذنب على غير مكتسبه، بل لا يعاقب أحدا إلا على جرمه الذي اكتسبه في الدنيا، أو على سبب استحقه به منه، والله أعلم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٥٤) ↗التحرير والتنوير
وأوثر التفكر بالذكر في آخر صفات المستدلين بالآيات، لأن الفكر هو منبع الإيمان والإيقان والعلم المتقدمة في قوله: لآيات للمؤمنين [الجاثية: 3] آيات لقوم يوقنون [الجاثية: 4] آيات لقوم يعقلون [الجاثية: 5] . [14، 15] 15] قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15) إن كانت هذه متصلة بالآي التي قبلها في النزول ولم يصح ما روي عن ابن عباس في سبب نزولها فمناسبة وقعها هنا أن قوله: ويل لكل أفاك أثيم إلى قوله: لهم عذاب من رجز أليم [الجاثية: 7- 11] يثير غضب المسلمين على المستهزئين بالقرآن. وقد أخذ المسلمون يعتزون بكثرتهم فكان ما ذكر من استهزاء المشركين بالقرآن واستكبارهم عن سماعه يتوقع منه أن يبطش بعض المسلمين ببعض المشركين، ويحتمل أن يكون بدر من بعض المسلمين غضب أو توعد وأن الله علم ذلك من بعضهم. قال القرطبي والسدي: نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة أصابهم أذى شديد من المشركين فشكوا ذلك إلى النبيء صلى الله عليه وسلم فأمرهم الله بالتجاوز عن ذلك لمصلحة في استبقاء الهدوء بمكة والمتاركة بين المسلمين والمشركين ففي ذلك مصالح جمة من شيوع القرآن بين أهل مكة وبين القبائل النازلين حولها فإن شيوعه لا يخلو من أن يأخذ بمجامع قلوبهم بالرغم على ما يبدونه من إعراض واستكبار واستهزاء فتتهيأ نفوسهم إلى الدخول في الدين عند زوال ممانعة سادتهم بعد هجرة النبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبعد استئصال صناديد قريش يوم بدر. وقد تكرر في القرآن مثل هذا من الأمر بالصفح عن المشركين والعفو عنهم والإعراض عن أذاهم، ولكن كان أكثر الآيات أمرا للنبيء صلى الله عليه وسلم في نفسه وكانت هذه أمرا له بأن يبلغ للمؤمنين ذلك، وذلك يشعر بأن الآية نزلت في وقت كان المسلمون قد كثروا فيه وأحسوا بعزتهم. فأمروا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗