سورة الدخان · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا قسم بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكل ما يحتاج إلى بيانه، أنه أنزله { في ليلة مباركة } أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، فأنزل أفضل الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام، بلغة العرب الكرام، لينذر به قوما عمتهم الجهالة، وغلبت عليهم الشقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبسوا من هداه، ويسيروا وراءه، فيحصل لهم الخير الدنيوي، والخير الأخروي، ولهذا قال: { إنا كنا منذرين * فيها } أي: في تلك الليل الفاضلة التي نزل فيها القرآن { يفرق كل أمر حكيم } أي: يفصل ويميز ويكتب كل أمر قدري وشرعي حكم الله به، وهذه الكتابة والفرقان، الذي يكون في ليلة القدر، أحد الكتابات التي تكتب وتميز، فتطابق الكتاب الأول، الذي كتب الله به، مقادير الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم، ثم إن الله تعالى قد وكل ملائكة تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمه، ثم وكلهم بعد وجوده إلى الدنيا، وكل به كراما كاتبين، يكتبون ويحفظون عليه أعماله، ثم إنه تعالى يقدر في ليلة القدر ما يكون في السنة، وكل هذا من تمام علمه، وكمال حكمته، وإتقان حفظه، واعتنائه تعالى بخلقه { أمرا من عندنآ } أي: هذا الأمر الحكيم أمر صادر من عندنا، { إنا كنا مرسلين } للرسل، ومنزلين للكتب، والرسل تبلغ أوامر المرسل، وتخبر بأقداره، { رحمة من ربك } أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب، التي أفضلها القرآن، رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة، فإنه من أجل ذلك وسببه، { إنه هو السميع العليم } أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورة العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك، ومن عليهم، فله تعالى الحمد والمنة والإحسان. { رب السموت والأرض وما بينهمآ } أي: خالق ذلك ومدبره، والمتصرف فيه بما شاء. { إن كنتم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
غاضب وحاقد -قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر -قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ إني قلت: يأيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعا، فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت". انفرد به البخاري (1) وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس [رضي الله عنه] (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي -ولا أقوله فخرا: بعثت إلى الناس كافة: الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئا" (3) إسناده جيد، ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن أبي الهاد، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك، قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه (4) يحرسونه، حتى إذا صلى انصرف إليهم فقال لهم: "لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي، أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة (5) وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ مني رعبا، وأحلت لي الغنائم آكلها (6) وكان من قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مساجد (7) وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم، والخامسة هي ما هي، قيل لي: سل؛ فإن كل نبي قد سأل. فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله" (8) إسناد جيد قوي أيضا ولم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
محمد للناس كلهم: {إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل، مرسلا إلى بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض ولكنها إلى جميعكم. وقوله: {الذي} [البقرة: 17] من نعت اسم الله. وإنما معنى الكلام: قل يا أيها الناس، إني رسول الله الذي له ملك السموات والأرض إليكم. ويعني جل ثناؤه بقوله: {الذي له ملك السموات والأرض} الذي له سلطان السموات والأرض وما فيهما، وتدبير ذلك وتصريفه. {لا إله إلا هو} [البقرة: 163] يقول: لا ينبغي أن تكون الألوهة والعبادة إلا له جل ثناؤه دون
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٤٩٨) ↗التحرير والتنوير
لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) جملة لا إله إلا هو نتيجة للدليل المتقدم لأن انفراده بربوبية السماوات والأرض وما بينهما دليل على انفراده بالإلهية، أي على بطلان إلهية أصنامهم فكانت هذه الجملة نتيجة لذلك فلذلك فصلت لشدة اقتضاء الجملة التي قبلها إياها. وجملة يحيي ويميت مستأنفة للاستدلال على أنه لا إله إلا هو بتفرده بالإحياء والإماتة، والمشركون لا ينازعون في أن الله هو المحيي والمميت فكما استدل عليهم بتفرده بإيجاد العوالم وما فيها استدل عليهم بخلق أعظم أحوال الموجودات وهي حالة الحياة التي شرف بها الإنسان عن موجودات العالم الأرضي وكرم أيضا بإعطائها للحيوان لتسخيره لانتفاع الإنسان به بسببها، وبتفرده بالإماتة وهي سلب الحياة عن الحي للدلالة على أن الحياة ليست ذاتية للحي. ولما كان تفرده بالإحياء والإماتة دليلا واضحا في أحوال المخاطبين وفيما حولهم من ظهور الأحياء بالولادة والأموات بالوفاة يوما فيوما من شأنه أن لا يجهلوا دلالته بله جحودهم إياها ومع ذلك قد عبدوا الأصنام التي لا تحيي ولا تميت، أعقب بإثبات ربوبيته للمخاطبين تسجيلا عليهم بجحد الأدلة وبكفران النعمة. وعطف ورب آبائكم الأولين ليسجل عليهم الإلزام بقولهم: وإنا على آثارهم مهتدون [الزخرف: 22] . ووصفهم ب الأولين لأنهم جعلوا أقدم الآباء حجة أعظم من الآباء الأقربين كما قال تعالى حكاية عنهم ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين [المؤمنون: 24] . [9] بل هم في شك يلعبون (9) بل للإضراب الإبطالي رد به أن يكونوا موقنين ومقرين بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما فإن إقرارهم غير صادر عن علم ويقين ثابت بل هو كالعدم لأنهم خلطوه بالشك واللعب فارتفعت عنه خاصية اليقين والإقرار التي هي الجري على موجب العلم، فإن العلم إذا لم يجر صاحبه على العمل به وتجديد ملاحظته
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٨٤) ↗