سورة الدخان · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا قسم بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكل ما يحتاج إلى بيانه، أنه أنزله { في ليلة مباركة } أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، فأنزل أفضل الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام، بلغة العرب الكرام، لينذر به قوما عمتهم الجهالة، وغلبت عليهم الشقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبسوا من هداه، ويسيروا وراءه، فيحصل لهم الخير الدنيوي، والخير الأخروي، ولهذا قال: { إنا كنا منذرين * فيها } أي: في تلك الليل الفاضلة التي نزل فيها القرآن { يفرق كل أمر حكيم } أي: يفصل ويميز ويكتب كل أمر قدري وشرعي حكم الله به، وهذه الكتابة والفرقان، الذي يكون في ليلة القدر، أحد الكتابات التي تكتب وتميز، فتطابق الكتاب الأول، الذي كتب الله به، مقادير الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم، ثم إن الله تعالى قد وكل ملائكة تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمه، ثم وكلهم بعد وجوده إلى الدنيا، وكل به كراما كاتبين، يكتبون ويحفظون عليه أعماله، ثم إنه تعالى يقدر في ليلة القدر ما يكون في السنة، وكل هذا من تمام علمه، وكمال حكمته، وإتقان حفظه، واعتنائه تعالى بخلقه { أمرا من عندنآ } أي: هذا الأمر الحكيم أمر صادر من عندنا، { إنا كنا مرسلين } للرسل، ومنزلين للكتب، والرسل تبلغ أوامر المرسل، وتخبر بأقداره، { رحمة من ربك } أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب، التي أفضلها القرآن، رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة، فإنه من أجل ذلك وسببه، { إنه هو السميع العليم } أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورة العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك، ومن عليهم، فله تعالى الحمد والمنة والإحسان. { رب السموت والأرض وما بينهمآ } أي: خالق ذلك ومدبره، والمتصرف فيه بما شاء. { إن كنتم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أي: معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعا، لتقوم حجة الله على عباده. وقوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم} أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف. وقوله: {حكيم} أي: محكم لا يبدل ولا يغير؛ ولهذا قال: {أمرا من عندنا} أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه (3) فبأمره وإذنه وعلمه، {إنا كنا مرسلين} أي: إلى الناس رسولا يتلو عليهم آيات الله مبينات، فإن الحاجة كانت ماسة إليه؛ ولهذا قال: {رحمة من ربك إنه هو السميع العليم رب السموات والأرض وما بينهما} أي: الذي أنزل هذا القرآن هو رب السموات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما، {إن كنتم موقنين} أي: إن كنتم متحققين. ثم قال: {لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين} وهذه الآية كقوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت [فآمنوا بالله ورسوله] } (4) الآية [الأعراف: 158] . يقول تعالى: بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون، أي: قد جاءهم اليقين (5) ، وهم يشكون فيه، ويمترون ولا يصدقون به، ثم قال متوعدا لهم ومتهددا: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} . قال سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح (6) ، عن مسروق قال: دخلنا
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٤٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الزخرف: 1]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٥) ↗التحرير والتنوير
حم (1) القول في نظائره تقدم. [2- 6] والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) القول في نظير هذا القسم وجوابه تقدم في أول سورة الزخرف. ونوه بشأن القرآن بطريقة الكناية عنه بذكر فضل الوقت الذي ابتدئ إنزاله فيه. فتعريف الكتاب تعريف العهد، والمراد بالكتاب: القرآن. ومعنى الفعل في أنزلناه ابتداء إنزاله فإن كل آية أو آيات تنزل من القرآن فهي منضمة إليه انضمام الجزء للكل، ومجموع ما يبلغ إليه الإنزال في كل ساعة هو مسمى القرآن إلى أن تم نزول آخر آية من القرآن. وتنكير ليلة للتعظيم، ووصفها ب مباركة تنويه بها وتشويق لمعرفتها. فهذه الليلة هي الليلة التي ابتدئ فيها نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في الغار من جبل حراء في رمضان قال تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن [البقرة: 185] . والليلة التي ابتدئ نزول القرآن فيها هي ليلة القدر قال تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر [القدر: 1] . والأصح أنها في العشر الأواخر من رمضان وأنها في ليلة الوتر. وثبت أن الله جعل لنظيرتها من كل سنة فضلا عظيما لكثرة ثواب العبادة فيها في كل رمضان كرامة لذكرى نزول القرآن وابتداء رسالة أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة. قال تعالى: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر [القدر: 4، 5] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٧٧) ↗