سورة الدخان · الآية ٢٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } إلى آخر القصة لما ذكر تعالى تكذيب من كذب الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم، ذكر أن لهم سلفا من المكذبين، فذكر قصتهم مع موسى، وما أحل الله بهم، ليرتدع هؤلاء المكذبون عن ما هم عليه فقال: { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم، الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره، { أن أدوا إلي عباد الله } أي: قال لفرعون وملئه: أدوا إلي عباد الله، يعني بهم: بني إسرائيل، أي: أرسلوهم، وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إياهم سوء العذاب، فإنهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم. وأنتم قد ظلمتموهم، واستعبدتموهم بغير حق، فأرسلوهم ليعبدوا ربهم، { إني لكم رسول أمين } أي: رسول من رب العالمين، أمين على ما أرسلني به، لا أكتمكم منه شيئا، ولا أزيد فيه ولا أنقص، وهذا يوجب تمام الانقياد له. { وأن لا تعلوا على الله } بالاستكبار عن عبادته والعلو على عباد الله، { إني آتيكم بسلطان مبين } أي: بحجة بينة ظاهرة، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات، والأدلة القاهرات، فكذبوه وهموا بقتله، فلجأ بالله من شرهم، فقال: { وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون } أي: تقتلوني أشر القتلات، بالرجم بالحجارة. { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } أي: لكم ثلاث مراتب: الإيمان بي، وهو مقصودي منكم، فإن لم تحصل منكم هذه المرتبة، فاعتزلوني لا علي ولا لي، فاكفوني شركم، فلم تحصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمردين عاتين على الله، محاربين لنبيه موسى عليه السلام، غير ممكنين له من قومه بني إسرائيل. { فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون } أي: قد أجرموا جرما، يوجب تعجيل العقوبة. فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال، التي هي أبلغ من المقال، كما قال عن نفسه عليه السلام رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير [القصص: 24] فأمره الله أن يسري بعباده ليلا، وأخبره أن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون} قال ابن عباس، وأبو صالح: هو الرجم باللسان وهو الشتم. وقال قتادة: [هو] (1) الرجم بالحجارة. أي (2) أعوذ بالله الذي خلقني وخلقكم [من] (3) أن تصلوا إلي بسوء من قول أو فعل. {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} أي: فلا تتعرضوا (4) إلي، ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا. فلما طال مقامه بين أظهرهم، وأقام حجج الله عليهم، كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرا وعنادا، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم، كما قال تعالى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما} [يونس: 88، 89] . وهكذا قال هاهنا: {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون} فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه؛ ولهذا قال: {فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون} كما قال: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه: 77] . وقوله هاهنا: {واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون} وذلك أن موسى، عليه السلام، لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر، أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلا بينهم وبين فرعون، فلا يصل إليهم. فأمره الله (5) أن يتركه على حاله ساكنا، وبشره بأنهم جند مغرقون فيه (6) ، وأنه لا يخاف دركا ولا يخشى. قال ابن عباس: {واترك البحر رهوا} كهيئته وامضه. وقال مجاهد {رهوا} طريقا يبسا كهيئته، يقول: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يرجع آخرهم. وكذا قال عكرمة، والربيع بن أنس، والضحاك، وقتادة، وابن زيد وكعب الأحبار وسماك بن حرب، وغير واحد (7) . ثم قال تعالى: {كم تركوا من جنات} وهي البساتين {وعيون وزروع} والمراد بها الأنهار والآبار، {ومقام كريم} وهي المساكن الكريمة الأنيقة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٤٠) ↗التحرير والتنوير
وأورثناها قوما آخرين. عطف على تركوا أي تركوها وأورثناها غيرهم، أي لفرعون الذي ولي بعد موت منفطا وسمي صطفا منفطا وهو أحد أمراء فرعون منفطا تزوج ابنة منفطا المسماة طوسير التي خلفت أباها منفطا على عرش مصر، ولكونه من غير نسل فرعون وصف هو وجنده بقوم آخرين، وليس المراد بقوله: قوما آخرين قوما من بني إسرائيل، ألا ترى أنه أعيد الاسم الظاهر في قوله عقبه ولقد نجينا بني إسرائيل [الدخان: 30] ، ولم يقل ولقد نجيناهم. ووقع في آية الشعراء فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل [الشعراء: 57- 59] والمراد هنالك أن أنواعا مما أخرجنا منه قوم فرعون أورثناها بني إسرائيل، ولم يقصد أنواع تلك الأشياء في خصوص أرض فرعون. ومناسبة ذلك هنالك أن القومين أخرجا مما كانا فيه، فسلب أحد الفريقين ما كان له دون إعادة لأنهم هلكوا، وأعطي الفريق الآخر أمثال ذلك في أرض فلسطين، ففي قوله: وأورثناها تشبيه بليغ وانظر آية سورة الشعراء. [29] فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) تفريع على قوله: كم تركوا من جنات إلى قوله: قوما آخرين [الدخان: 25- 28] ، فإن ذلك كله يتضمن أنهم هلكوا وانقرضوا، أي فما كان مهلكهم إلا كمهلك غيرهم ولم يكن حدثا عظيما كما كانوا يحسبون ويحسب قومهم، وكان من كلام العرب إذا هلك عظيم أن يهولوا أمر موته بنحو: بكت عليه السماء، وبكته الريح، وتزلزلت الجبال، قال النابغة في توقع موت النعمان بن المنذر من مرضه: فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والبلد الحرام وقال في رثاء النعمان بن الحارث الغساني: بكى حارث الجولان من فقد ربه ... وحوران منه موحش متضائل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٠٣) ↗