البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الدخان · الآية ١١

﴿يَغْشَى النَّاسَ ۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا قسم بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكل ما يحتاج إلى بيانه، أنه أنزله { في ليلة مباركة } أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، فأنزل أفضل الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام، بلغة العرب الكرام، لينذر به قوما عمتهم الجهالة، وغلبت عليهم الشقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبسوا من هداه، ويسيروا وراءه، فيحصل لهم الخير الدنيوي، والخير الأخروي، ولهذا قال: { إنا كنا منذرين * فيها } أي: في تلك الليل الفاضلة التي نزل فيها القرآن { يفرق كل أمر حكيم } أي: يفصل ويميز ويكتب كل أمر قدري وشرعي حكم الله به، وهذه الكتابة والفرقان، الذي يكون في ليلة القدر، أحد الكتابات التي تكتب وتميز، فتطابق الكتاب الأول، الذي كتب الله به، مقادير الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم، ثم إن الله تعالى قد وكل ملائكة تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمه، ثم وكلهم بعد وجوده إلى الدنيا، وكل به كراما كاتبين، يكتبون ويحفظون عليه أعماله، ثم إنه تعالى يقدر في ليلة القدر ما يكون في السنة، وكل هذا من تمام علمه، وكمال حكمته، وإتقان حفظه، واعتنائه تعالى بخلقه { أمرا من عندنآ } أي: هذا الأمر الحكيم أمر صادر من عندنا، { إنا كنا مرسلين } للرسل، ومنزلين للكتب، والرسل تبلغ أوامر المرسل، وتخبر بأقداره، { رحمة من ربك } أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب، التي أفضلها القرآن، رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة، فإنه من أجل ذلك وسببه، { إنه هو السميع العليم } أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورة العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك، ومن عليهم، فله تعالى الحمد والمنة والإحسان. { رب السموت والأرض وما بينهمآ } أي: خالق ذلك ومدبره، والمتصرف فيه بما شاء. { إن كنتم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… وقال (1) إن الله عز وجل قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} [ص: 86] ، إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: "الله أعلم" سأحدثكم عن ذلك، إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام واستعصت (2) على رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان -وفي رواية: فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد-[قال] (3) قال الله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم} ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت. فاستسقى لهم فسقوا فأنزل الله: {إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون} قال: ابن مسعود: فيكشف العذاب عنهم يوم القيامة، فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} ، قال: يعني يوم بدر. قال ابن مسعود: فقد مضى خمسة: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين. (4) ورواه الإمام أحمد في مسنده، وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما (5) ، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة، عن الأعمش، به (6) وقد وافق ابن مسعود على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى، جماعة من السلف كمجاهد، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا (7) عبد الرحمن الأعرج في قوله: {يوم تأتي السماء بدخان مبين} قال: كان يوم فتح مكة. وهذا القول غريب جدا بل منكر. وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات (8) الساعة، كما تقدم من حديث أبي سريحة (9) حذيفة بن أسيد الغفاري، رضي الله عنه، قال: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وحرسته وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/١٣) ↗

التحرير والتنوير

تطرق إليه الذهول ثم النسيان فضعف حتى صار شكا لانحجاب الأدلة التي يرسخ بها في النفس، أي هم شاكون في وحدانية الله تعالى. والإتيان بحرف الظرفية للدلالة على شدة تمكن الشك من نفوسهم حتى كأنه ظرف محيط بهم لا يجدون عنه مخرجا، أي لا يفارقهم الشك، فالظرفية استعارة تبعية مثل الاستعلاء في قوله: أولئك على هدى من ربهم [البقرة: 5] . وجملة يلعبون حال من ضمير هم أي اشتغلوا عن النظر في الأدلة التي تزيل الشك عنهم وتجعلهم مهتدين، بالهزء واللعب في تلقي دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فكأن انغماسهم في الشك مقارنا لحالهم من اللعب، ولهذه الجملة الحالية موقع عظيم إذ بها أفيد أن الشك حامل لهم على الهزء واللعب، وأن الشغل باللعب يزيد الشك فيهم رسوخا بخلاف ما لو قيل: بل هم في شك ولعب، فتفطن. [10، 11] فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) تفريع على جملة بل هم في شك يلعبون [الدخان: 9] قصد منه وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بانتقام الله من مكذبيه، ووعيد المشركين على جحودهم بدلائل الوحدانية وصدق الرسول وعكوفهم على اللعب، أي الاستهزاء بالقرآن والرسول، وذكر له مخوفات للمشركين لإعدادهم للإيمان وبطشة انتقام من أئمتهم تستأصلهم. فالخطاب في فارتقب للنبيء صلى الله عليه وسلم والأمر مستعمل في التثبيت. والارتقاب: افتعال من رقبه، إذا انتظره، وإنما يكون الانتظار عند قرب حصول الشيء المنتظر. وفعل (ارتقب) يقتضي بصريحه أن إتيان السماء بدخان لم يكن حاصلا في نزول هذه الآية، ويقتضي كناية عن اقتراب وقوعه كما يرتقب الجائي من مكان قريب. ويوم اسم زمان منصوب على أنه مفعول به ل (ارتقب) وليس ظرفا وذلك كقوله تعالى: يخافون يوما [النور: 37] ، وهو مضاف إلى الجملة بعده لتمييز اليوم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٨٥) ↗