سورة الزخرف · الآية ٨٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى، أنه وحده المألوه المعبود في السماوات والأرض فأهل السماوات كلهم، والمؤمنون من أهل الأرض، يعبدونه، ويعظمونه، ويخضعون لجلاله، ويفتقرون لكماله. تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44] ولله يسجد من في السموت والأرض طوعا وكرها [الرعد: 15]. فهو تعالى المألوه المعبود، الذي يألهه الخلائق كلهم، طائعين مختارين، وكارهين. وهذه كقوله تعالى: وهو الله في السموت وفي الأرض [الأنعام: 3] أي: ألوهيته ومحبته فيهما. وأما هو فهو فوق عرشه، بائن من خلقه، متوحد بجلاله، متمجد بكماله، { وهو الحكيم } الذي أحكم ما خلقه، وأتقن ما شرعه، فما خلق شيئا إلا لحكمة، ولا شرع شيئا إلا لحكمة، وحكمه القدري والشرعي والجزائي مشتمل على الحكمة. { العليم } بكل شيء، يعلم السر وأخفى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في العالم العلوي والسفلي، ولا أصغر منها ولا أكبر. { وتبارك الذي له ملك السموت والأرض وما بينهما } تبارك بمعنى تعالى وتعاظم، وكثر خيره، واتسعت صفاته، وعظم ملكه. ولهذا ذكر سعة ملكه للسموات والأرض وما بينهما، وسعة علمه، وأنه بكل شيء عليم، حتى إنه تعالى، انفرد بعلم كثير من الغيوب، التي لم يطلع عليها أحد من الخلق، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولهذا قال: { وعنده علم الساعة } قدم الظرف، ليفيد الحصر، أي: لا يعلم متى تجيء الساعة إلا هو، ومن تمام ملكه وسعته، أنه مالك الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { وإليه ترجعون } أي: في الآخرة فيحكم بينكم بحكمه العدل، ومن تمام ملكه، أنه لا يملك أحد من خلقه من الأمر شيئا، ولا يقدم على الشفاعة عنده أحد إلا بإذنه. { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } أي: كل من دعي من دون الله، من الأنبياء والملائكة وغيرهم، لا يملكون الشفاعة، ولا يشفعون إلا بإذن الله، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ولهذا قال: { إلا من شهد بالحق } أي: نطق بلسانه، مقرا بقلبه، عالما بما شهد به، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
والمجروران يتعلقان ب إله باعتبار ما يتضمنه من معنى المعبود لأنه مشتق من أله، إذا عبد فشابه المشتق. وصح تعلق المجرور به فتعلقه بلفظ إله كتعلق الظرف بغربال وأقوى من تعلق المجرور بكانون في قول الحطيئة يهجو أمه من أبيات: أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا (1) وهو الحكيم العليم. بعد أن وصف الله بالتفرد بالإلهية أتبع بوصفه ب الحكيم العليم تدقيقا للدليل الذي في قوله: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، حيث دل على نفي إلهية غيره في السماء والأرض واختصاصه بالإلهية فيهما لما في صيغة القصر من إثبات الوصف له ونفيه عمن سواه، فكان قوله: وهو الحكيم العليم تتميما للدليل واستدلالا عليه، ولذلك سميناه تدقيقا إذ التدقيق في الاصطلاح هو ذكر الشيء بدليل دليله وأما التحقيق فذكر الشيء بدليله لأن الموصوف بتمام الحكمة وكمال العلم مستغن عما سواه فلا يحتاج إلى ولد ولا إلى بنت ولا إلى شريك. [85] 85] وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (85) عطف على سبحان رب السماوات والأرض [الزخرف: 82] ، قصد منه إتباع إنشاء التنزيه بإنشاء الثناء والتمجيد. وتبارك خبر مستعمل في إنشاء المدح لأن معنى تبارك كان متصفا بالبركة اتصافا قويا لما يدل عليه صيغة تفاعل من قوة حصول المشتق منه لأن أصلها أن تدل على صدور فعل من فاعلين مثل: تقاتل وتمارى، فاستعملت في مجرد تكرر الفعل، وذلك مثل: تسامى وتعالى.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٦٨) ↗