سورة الزخرف · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: إن هذه سنتنا في الخلق، أن لا نتركهم هملا، فكم { أرسلنا من نبي في الأولين } يأمرونهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ولم يزل التكذيب موجودا في الأمم. { وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون } جحدا لما جاء به، وتكبرا على الحق. { فأهلكنآ أشد } من هؤلاء { بطشا } أي: قوة وأفعالا، وآثارا في الأرض، { ومضى مثل الأولين } أي: مضت أمثالهم وأخبارهم، وبينا لكم منها ما فيه عبرة ومزدجر عن التكذيب والإنكار.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزخرف ٦–٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أوائل (1) هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته، وكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة، أو ما شاء الله من ذلك. وقول قتادة لطيف المعنى جدا، وحاصله أنه يقول في معناه: إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير والذكر (2) الحكيم -وهو القرآن-وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر (3) به ليهتدي من قدر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته. ثم قال تعالى -مسليا لنبيه في تكذيب من كذبه من قومه، وآمرا له بالصبر عليهم-: {وكم أرسلنا من نبي في الأولين} أي: في شيع الأولين، {وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون} أي: يكذبونه ويسخرون به. وقوله: {فأهلكنا أشد منهم بطشا} أي: فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشا من هؤلاء المكذبين لك يا محمد. كقوله: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة} [غافر: 82] والآيات في ذلك كثيرة. وقوله: {ومضى مثل الأولين} قال مجاهد: سنتهم. وقال قتادة: عقوبتهم. وقال غيرهما: عبرتهم، أي: جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله في آخر هذه السورة: {فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين} [الزخرف: 56] . وكقوله: {سنت الله التي قد خلت في عباده} [غافر: 85] وقال: {ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب: 62] . يقول تعالى: ولئن سألت -يا محمد-هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: {من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} أي: ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله [تعالى] (1) وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد. ثم قال: {الذي جعل لكم الأرض مهدا} أي: فراشا قرارا ثابتة، يسيرون عليها ويقومون وينامون وينصرفون، مع أنها مخلوقة على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا، {وجعل لكم فيها سبلا} أي: طرقا بين الجبال والأودية {لعلكم تهتدون} أي: في سيركم من بلد إلى بلد،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢١٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يستهزئون} يقول: وما كان يأتي قرنا من أولئك القرون وأمة من أولئك الأمم الأولين لنا من نبي يدعوهم إلى الهدى وطريق الحق، إلا كان الذين يأتيهم ذلك من تلك الأمم نبيهم الذي أرسله إليهم يستهزئون سخرية منهم بهم كاستهزاء قومك بك يا محمد يقول: فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، ولا يشقن عليك، فإنهم إنما سلكوا في استهزائهم بك مسلك أسلافهم، ومنهاج أئمتهم الماضين من أهل الكفر بالله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٥٢) ↗التحرير والتنوير
وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤن (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) لما ذكر إسرافهم في الإعراض عن الإصغاء لدعوة القرآن وأعقبه بكلام موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تسلية عما يلاقيه منهم في خلال الإعراض من الأذى والاستهزاء بتذكيره بأن حاله في ذلك حال الرسل من قبله وسنة الله في الأمم، ووعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر على قومه بتذكيره بسنة الله في الأمم المكذبة رسلهم. وجعل للتسلية المقام الأول من هذا الكلام بقرينة العدل عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة في قوله: فأهلكنا أشد منهم كما سيأتي، ويتضمن ذلك تعريضا بزجرهم عن إسرافهم في الإعراض عن النظر في القرآن. فجملة وكم أرسلنا من نبيء معطوفة على جملة إنا جعلناه قرآنا عربيا [الزخرف: 3] وما بعدها إلى هنا عطف القصة على القصة. وكم اسم دال على عدد كثير مبهم، وموقع كم نصب بالمفعولية ل أرسلنا، وهو ملتزم تقديمه لأن أصله اسم استفهام فنقل من الاستفهام إلى الإخبار على سبيل الكناية. وشاع استعماله في ذلك حتى صار الإخبار بالكثرة معنى من معاني كم. والداعي إلى اجتلاب اسم العدد الكثير أن كثرة وقوع هذا الحكم أدخل في زجرهم عن مثله وأدخل في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتحصيل صبره، لأن كثرة وقوعه تؤذن بأنه سنة لا تتخلف، وذلك أزجر وأسلى. والأولين جمع الأول، وهو هنا مستعمل في معنى الماضين السابقين كقوله تعالى: ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين [الصافات: 71] فإن الذين أهلكوا قد انقرضوا بقطع النظر عمن عسى أن يكون خلفهم من الأمم. والاستثناء في قوله: إلا كانوا به يستهزؤن استثناء من أحوال، أي ما يأتيهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٦٥) ↗