البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الزخرف · الآية ٤١

﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، مسليا له عن امتناع المكذبين عن الاستجابة له، وأنهم لا خير فيهم، ولا فيهم زكاء يدعوهم إلى الهدى: { أفأنت تسمع الصم } أي: الذين لا يسمعون { أو تهدي العمي } الذين لا يبصرون، أو تهدي { ومن كان في ضلال مبين } أي: بين واضح، لعلمه بضلاله، ورضاه به. فكما أن الأصم لا يسمع الأصوات، والأعمى لا يبصر، والضال ضلالا مبينا لا يهتدي، فهؤلاء قد فسدت فطرهم وعقولهم، بإعراضهم عن الذكر، واستحدثوا عقائد فاسدة، وصفات خبيثة، تمنعهم وتحول بينهم وبين الهدى، وتوجب لهم الازدياد من الردى، فهؤلاء لم يبق إلا عذابهم ونكالهم، إما في الدنيا، أو في الآخرة، ولهذا قال تعالى: { فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون } أي: فإن ذهبنا بك قبل أن نريك ما نعدهم من العذاب، فاعلم بخبرنا الصادق أنا منهم منتقمون. { أو نرينك الذي وعدناهم } من العذاب { فإنا عليهم مقتدرون } ولكن ذلك متوقف على اقتضاء الحكمة لتعجيله أو تأخيره، فهذه حالك وحال هؤلاء المكذبين. وأما أنت { فاستمسك بالذي أوحي إليك } فعلا واتصافا، بما يأمر بالاتصاف به ودعوة إليه، وحرصا على تنفيذه في نفسك وفي غيرك. { إنك على صراط مستقيم } موصل إلى الله وإلى دار كرامته، وهذا مما يوجب عليك زيادة التمسك به، والاهتداء إذا علمت أنه حق وعدل وصدق، تكون بانيا على أصل أصيل، إذا بنى غيرك على الشكوك والأوهام، والظلم والجور. { وإنه } أي: هذا القرآن الكريم { لذكر لك ولقومك } أي: فخر لكم، ومنقبة جليلة، ونعمة لا يقادر قدرها، ولا يعرف وصفها، ويذكركم أيضا ما فيه الخير الدنيوي والأخروي، ويحثكم عليه، ويذكركم الشر ويرهبكم عنه، { وسوف تسألون } عنه، هل قمتم به فارتفعتم وانتفعتم، أم لم تقوموا به فيكون حجة عليكم، وكفرا منكم بهذه النعمة؟ { وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } حتى يكون للمشركين نوع حجة، يتبعون فيها أحدا من الرسل، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى: {ومن يعش} أي: يتعامى ويتغافل ويعرض، {عن ذكر الرحمن} والعشا في العين: ضعف بصرها. والمراد هاهنا: عشا البصيرة، {نقيض له شيطانا فهو له قرين} كقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، وكقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وكقوله: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} [فصلت:25] ؛ ولهذا قال هاهنا: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا} أي: هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله، ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وكل به، {قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} [أي: فبئس القرين كنت لي في الدنيا] (1) وقرأ بعضهم: "حتى إذا جاءانا" يعني: القرين والمقارن. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة سفع بيده شيطان فلم يفارقه، حتى يصيرهما الله تعالى إلى النار، فذلك حين يقول: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} (2) والمراد بالمشرقين هنا (3) هو ما بين المشرق والمغرب. وإنما استعمل هاهنا تغليبا، كما يقال (4) القمران، والعمران، والأبوان، [والعسران] (5) . قاله ابن جرير وغيره. [ولما كان الاشتراك في المصيبة في الدنيا يحصل به تسلية لمن شاركه في مصيبته، كما قالت الخنساء تبكي أخاها: ولولا كثرة الباكين حولي %~% على قتلاهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن %~% أسلي النفس عنه بالتأسي قطع الله بذلك بين أهل النار، فلا يحصل لهم بذلك تأسي وتسلية ولا تخفيف] . (6) ثم قال تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} أي: لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٩٩) ↗

التحرير والتنوير

كما ذكرناه هنالك، فظهرت المناسبة بين وصفهم بالعشا وبين ما في هذا الانتقال لوصفهم بالصم العمي. وعطف ومن كان في ضلال مبين فيه معنى التذييل لأنه أعم من كل من الصم والعمي باعتبار انفرادهما، وباعتبار أن الصمم والعمى لما كانا مجازين قد يكون تعلقهما بالمسموع والمبصر جزئيا في حالة خاصة فكان الوصف بالكون في الضلال المبين تنبيها على عموم الأحوال وهو مع ذلك ترشيح للاستعارة لأن اجتماع الصمم والعمى أبين ضلالا. [41، 42] فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) تفريع على جملة أفأنت تسمع الصم [الزخرف: 40] إلى آخرها المتضمنة إيماء إلى التأييس من اهتدائهم، والصريحة في تسلية النبيء صلى الله عليه وسلم من شدة الحرص في دعوتهم، فجاء هنا تحقيق وعد بالانتقام منهم، ومعناه: الوعد بإظهار الدين إن كان في حياة النبيء صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته، ووعيدهم بالعقاب في الدنيا قبل عقاب الآخرة، فلأجل الوفاء بهذين الغرضين ذكر في هذه الجملة أمران: الانتقام منهم لا محالة، وكون ذلك واقعا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته. والمفرع هو فإنا منهم منتقمون وما ذكر معه، فمراد منه تحقق ذلك على كل تقدير. و (إما) كلمتان متصلتان أصلهما (إن) الشرطية و (ما) زائدة بعد (إن) ، وأدغمت نون (إن) في الميم من حرف (ما) ، وزيادة (ما) للتأكيد، ويكثر اتصال فعل الشرط بعد (إن) المزيدة بعدها (ما) بنون التوكيد زيادة في التأكيد، ويكتبونها بهمزة وميم وألف تبعا لحالة النطق بها. والذهاب به هنا مستعمل للتوفي بقرينة قوله: أو نرينك الذي وعدناهم لأن الموت مفارقة للأحياء فالإماتة كالانتقال به، أي تغييبه ولذلك يعبر عن الموت بالانتقال. والمعنى: فإما نتوفينك فإنا منهم منتقمون بعد وفاتك.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢١٧) ↗