سورة الزخرف · الآية ٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا قسم بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين وأطلق، ولم يذكر المتعلق، ليدل على أنه مبين لكل ما يحتاج إليه العباد من أمور الدنيا والدين والآخرة. { إنا جعلناه قرآنا عربيا } هذا المقسم عليه، أنه جعل بأفصح اللغات وأوضحها وأبينها، وهذا من بيانه. وذكر الحكمة في ذلك فقال: { لعلكم تعقلون } ألفاظه ومعانيه لتيسرها وقربها من الأذهان. { وإنه } أي: هذا الكتاب { لدينا } في الملأ الأعلى في أعلى الرتب وأفضلها { لعلي حكيم } أي: لعلي في قدره وشرفه ومحله، حكيم فيما يشتمل عليه من الأوامر والنواهي والأخبار، فليس فيه حكم مخالف للحكمة والعدل والميزان. ثم أخبر تعالى أن حكمته وفضله يقتضي أن لا يترك عباده هملا، لا يرسل إليهم رسولا، ولا ينزل عليهم كتابا، ولو كانوا مسرفين ظالمين فقال: { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } أي: أفنعرض عنكم، ونترك إنزال الذكر إليكم، ونضرب عنكم صفحا، لأجل إعراضكم، وعدم انقيادكم له؟ بل ننزل عليكم الكتاب، ونوضح لكم فيه كل شيء، فإن آمنتم به واهتديتم، فهو من توفيقكم، وإلا قامت عليكم الحجة، وكنتم على بينة من أمركم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزخرف ١–٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أوائل (1) هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته، وكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة، أو ما شاء الله من ذلك. وقول قتادة لطيف المعنى جدا، وحاصله أنه يقول في معناه: إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير والذكر (2) الحكيم -وهو القرآن-وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر (3) به ليهتدي من قدر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته. ثم قال تعالى -مسليا لنبيه في تكذيب من كذبه من قومه، وآمرا له بالصبر عليهم-: {وكم أرسلنا من نبي في الأولين} أي: في شيع الأولين، {وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون} أي: يكذبونه ويسخرون به. وقوله: {فأهلكنا أشد منهم بطشا} أي: فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشا من هؤلاء المكذبين لك يا محمد. كقوله: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة} [غافر: 82] والآيات في ذلك كثيرة. وقوله: {ومضى مثل الأولين} قال مجاهد: سنتهم. وقال قتادة: عقوبتهم. وقال غيرهما: عبرتهم، أي: جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله في آخر هذه السورة: {فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين} [الزخرف: 56] . وكقوله: {سنت الله التي قد خلت في عباده} [غافر: 85] وقال: {ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب: 62] . يقول تعالى: ولئن سألت -يا محمد-هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: {من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} أي: ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله [تعالى] (1) وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد. ثم قال: {الذي جعل لكم الأرض مهدا} أي: فراشا قرارا ثابتة، يسيرون عليها ويقومون وينامون وينصرفون، مع أنها مخلوقة على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا، {وجعل لكم فيها سبلا} أي: طرقا بين الجبال والأودية {لعلكم تهتدون} أي: في سيركم من بلد إلى بلد،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢١٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٤٦) ↗التحرير والتنوير
لأنه قد نزل مقدار عظيم لو تدبروه لعقلوا، فهذا الخبر مستعمل في التعريض على طريقة الكناية. [4] 4] وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) عطف على جملة إنا جعلناه قرآنا عربيا [الزخرف: 3] ، فهو زيادة في الثناء على هذا الكتاب ثناء ثانيا للتنويه بشأنه رفعة وإرشادا. وأم الكتاب: أصل الكتاب. والمراد ب أم الكتاب علم الله تعالى كما في قوله: وعنده أم الكتاب في سورة الرعد [39] ، لأن الأم بمعنى الأصل والكتاب هنا بمعنى المكتوب، أي المحقق الموثق وهذا كناية عن الحق الذي لا يقبل التغيير لأنهم كانوا إذا أرادوا أن يحققوا عهدا على طول مدة كتبوه في صحيفة، قال الحارث بن حلزة: حذر الجور والتطاخي وهل ين ... قض ما في المهارق الأهواء وعلي أصله المرتفع، وهو هنا مستعار لشرف الصفة وهي استعارة شائعة. وحكيم: أصله الذي الحكمة من صفات رأيه، فهو هنا مجاز لما يحوي الحكمة بما فيه من صلاح أحوال النفوس والقوانين المقيمة لنظام الأمة. ومعنى كون ذلك في علم الله: أن الله علمه كذلك وما علمه الله لا يقبل الشك. ومعناه: أن ما اشتمل عليه القرآن من المعاني هو من مراد الله وصدر عن علمه. ويجوز أيضا أن يفيد هذا شهادة بعلو القرآن وحكمته على حد قولهم في اليمين: الله يعلم، وعلم الله. وتأكيد الكلام ب (إن) لرد إنكار المخاطبين إذ كذبوا أن يكون القرآن موحى به من الله. ولدينا ظرف مستقر هو حال من ضمير إنه أو من أم الكتاب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٦٢) ↗