سورة الزخرف · الآية ٢٩
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي ينتسب إليه أهل الكتاب والمشركون، وكلهم يزعم أنه على طريقته، فأخبر عن دينه الذي ورثه في ذريته فقال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه } الذين اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم ويتقربون إليهم: { إنني برآء مما تعبدون } أي: مبغض له، مجتنب معاد لأهله، { إلا الذي فطرني } فإني أتولاه، وأرجو أن يهديني للعلم بالحق والعمل به، فكما فطرني ودبرني بما يصلح بدني ودنياي، ف { سيهدين } لما يصلح ديني وآخرتي. { وجعلها } أي: هذه الخصلة الحميدة، التي هي أم الخصال وأساسها، وهي إخلاص العبادة لله وحده، والتبري من عبادة ما سواه. { كلمة باقية في عقبه } أي: ذريته { لعلهم } إليها { يرجعون } لشهرتها عنه، وتوصيته لذريته، وتوصية بعض بنيه - كإسحاق ويعقوب - لبعض، كما قال تعالى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه إلى آخر الآيات [البقرة: 130]. فلم تزل هذه الكلمة موجودة في ذريته عليه السلام حتى دخلهم الترف والطغيان. فقال تعالى: { بل متعت هؤلاء وآبآءهم } بأنواع الشهوات، حتى صارت هي غايتهم ونهاية مقصودهم، فلم تزل يتربى حبها في قلوبهم، حتى صارت صفات راسخة، وعقائد متأصلة. { حتى جآءهم الحق } الذي لا شك فيه ولا مرية ولا اشتباه. { ورسول مبين } أي: بين الرسالة، قامت أدلة رسالته قياما باهرا، بأخلاقه ومعجزاته، وبما جاء به، وبما صدق به المرسلين، وبنفس دعوته صلى الله عليه وسلم. { ولما جآءهم الحق } الذي يوجب على من له أدنى دين ومعقول أن يقبله وينقاد له. { قالوا هذا سحر وإنا به كافرون } وهذا من أعظم المعاندة والمشاقة، فإنهم لم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه، بل ولا جحده، فلم يرضوا حتى قدحوا به قدحا شنيعا، وجعلوه بمنزلة السحر الباطل، الذي لا يأتي به إلا أخبث الخلق وأعظمهم افتراء، والذي حملهم على ذلك، طغيانهم بما متعهم الله به وآباءهم. { وقالوا } مقترحين على الله بعقولهم الفاسدة: { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها: أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: {إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه} أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي "لا إله إلا الله" أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم، عليه السلام، {لعلهم يرجعون} أي: إليها. وقال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم (1) في قوله تعالى: {وجعلها كلمة باقية في عقبه} يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها. وروي نحوه عن ابن عباس. وقال ابن زيد: كلمة الإسلام. وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة. ثم قال تعالى: {بل متعت هؤلاء} يعني: المشركين، {وآباءهم} أي: فتطاول عليهم العمر في ضلالهم (2) ، {حتى جاءهم الحق ورسول مبين} أي: بين الرسالة والنذارة. {ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون} أي: كابروه وعاندوه ودفعوا (3) بالصدور والراح كفرا وحسدا وبغيا، {وقالوا} [أي] (4) كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} أي: هلا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون مكة والطائف. قاله ابن عباس، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة والسدي، وابن زيد.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٢٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الزخرف: 29] يعني جل ثناؤه بالحق: هذا القرآن: يقول: لم أهلكهم بالعذاب حتى أنزلت عليهم الكتاب، وبعثت فيهم رسولا مبينا يعني بقوله: {ورسول مبين} [الزخرف: 29] محمدا صلى الله عليه وسلم، والمبين: أنه يبين لهم بالحجج التي يحتج بها عليهم أنه لله رسول محق فيما يقول {ولما جاءهم الحق} [الزخرف: 30] يقول جل ثناؤه: ولما جاء هؤلاء المشركين القرآن من عند الله، ورسول من الله أرسله إليهم بالدعاء إليه {قالوا هذا سحر} [النمل: 13] يقول: هذا الذي جاءنا به هذا الرسول سحر يسحرنا به، ليس بوحي من الله {وإنا به كافرون} [الزخرف: 30] يقول: قالوا: وإنا به جاحدون، ننكر أن يكون هذا من الله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٧٩) ↗التحرير والتنوير
التوحيد في الدنيا ومعاقبين عليه في الآخرة وعليه يحمل ما ورد في صحاح الآثار من تعذيب عمرو بن لحي الذي سن عبادة الأصنام وما روي أن امرأ القيس حامل لواء الشعراء إلى النار يوم القيامة وغير ذلك. وهذا الذي يناسب أن يكون نظر إليه أهل السنة الذين يقولون: إن معرفة الله واجبة بالشرع لا بالعقل وهو المشهور عن الأشعري، والذين يقولون منهم: إن المشركين من أهل الفترة مخلدون في النار على الشرك. وأما الذين قالوا بأن معرفة الله واجبة عقلا وهو قول جميع الماتريدية وبعض الشافعية فلا إشكال على قولهم. [29] 29] بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) إضراب عن قوله: لعلهم يرجعون [الزخرف: 28] ، وهو إضراب إبطال، أي لم يحصل ما رجاه إبراهيم من رجوع بعض عقبه إلى الكلمة التي أوصاهم برعيها. فإن أقدم أمة من عقبه لم يرجعوا إلى كلمته، وهؤلاء هم العرب الذين أشركوا وعبدوا الأصنام. وبعد بل كلام محذوف دل عليه الإبطال وما بعد الإبطال، وتقدير المحذوف: بل لم يرجع هؤلاء وآباؤهم الأولون إلى التوحيد ولم يتبرأوا من عبادة الأصنام ولا أخذوا بوصاية إبراهيم. وجملة متعت هؤلاء وآباءهم مستأنفة استئنافا بيانيا لسائل يسأل عما عاملهم الله به جزاء على تفريطهم في وصاية إبراهيم وهلا استأصلهم. كما قال: وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلى قوله: فانتقمنا منهم [الزخرف: 23- 25] ، فأجيب بأن الله متعهم بالبقاء إلى أن يجيئهم رسول بالحق وذلك لحكمة علمها الله يرتبط بها وجود العرب زمنا طويلا بدون رسول، وتأخر مجيء الرسول إلى الإبان الذي ظهر فيه. وبهذا الاستئناف حصل التخلص إلى ما بدا من المشركين بعد مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٩٦) ↗