سورة الزخرف · الآية ٢٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي ينتسب إليه أهل الكتاب والمشركون، وكلهم يزعم أنه على طريقته، فأخبر عن دينه الذي ورثه في ذريته فقال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه } الذين اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم ويتقربون إليهم: { إنني برآء مما تعبدون } أي: مبغض له، مجتنب معاد لأهله، { إلا الذي فطرني } فإني أتولاه، وأرجو أن يهديني للعلم بالحق والعمل به، فكما فطرني ودبرني بما يصلح بدني ودنياي، ف { سيهدين } لما يصلح ديني وآخرتي. { وجعلها } أي: هذه الخصلة الحميدة، التي هي أم الخصال وأساسها، وهي إخلاص العبادة لله وحده، والتبري من عبادة ما سواه. { كلمة باقية في عقبه } أي: ذريته { لعلهم } إليها { يرجعون } لشهرتها عنه، وتوصيته لذريته، وتوصية بعض بنيه - كإسحاق ويعقوب - لبعض، كما قال تعالى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه إلى آخر الآيات [البقرة: 130]. فلم تزل هذه الكلمة موجودة في ذريته عليه السلام حتى دخلهم الترف والطغيان. فقال تعالى: { بل متعت هؤلاء وآبآءهم } بأنواع الشهوات، حتى صارت هي غايتهم ونهاية مقصودهم، فلم تزل يتربى حبها في قلوبهم، حتى صارت صفات راسخة، وعقائد متأصلة. { حتى جآءهم الحق } الذي لا شك فيه ولا مرية ولا اشتباه. { ورسول مبين } أي: بين الرسالة، قامت أدلة رسالته قياما باهرا، بأخلاقه ومعجزاته، وبما جاء به، وبما صدق به المرسلين، وبنفس دعوته صلى الله عليه وسلم. { ولما جآءهم الحق } الذي يوجب على من له أدنى دين ومعقول أن يقبله وينقاد له. { قالوا هذا سحر وإنا به كافرون } وهذا من أعظم المعاندة والمشاقة، فإنهم لم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه، بل ولا جحده، فلم يرضوا حتى قدحوا به قدحا شنيعا، وجعلوه بمنزلة السحر الباطل، الذي لا يأتي به إلا أخبث الخلق وأعظمهم افتراء، والذي حملهم على ذلك، طغيانهم بما متعهم الله به وآباءهم. { وقالوا } مقترحين على الله بعقولهم الفاسدة: { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها: أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: {إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه} أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي "لا إله إلا الله" أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم، عليه السلام، {لعلهم يرجعون} أي: إليها. وقال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم (1) في قوله تعالى: {وجعلها كلمة باقية في عقبه} يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها. وروي نحوه عن ابن عباس. وقال ابن زيد: كلمة الإسلام. وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة. ثم قال تعالى: {بل متعت هؤلاء} يعني: المشركين، {وآباءهم} أي: فتطاول عليهم العمر في ضلالهم (2) ، {حتى جاءهم الحق ورسول مبين} أي: بين الرسالة والنذارة. {ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون} أي: كابروه وعاندوه ودفعوا (3) بالصدور والراح كفرا وحسدا وبغيا، {وقالوا} [أي] (4) كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} أي: هلا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون مكة والطائف. قاله ابن عباس، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة والسدي، وابن زيد.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٢٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تعبدون} [الزخرف: 26] من دون الله، فكذبوه، فانتقمنا منهم كما انتقمنا ممن قبلهم من الأمم المكذبة رسلها وقيل: {إنني براء مما تعبدون} [الزخرف: 26] فوضع البراء وهو مصدر موضع النعت، والعرب لا تثني البراء ولا تجمع ولا تؤنث، فتقول: نحن البراء والخلاء: لما ذكرت أنه مصدر، وإذا قالوا: هو بريء منك ثنوا وجمعوا وأنثوا، فقالوا: هما بريئان منك، وهم بريئون منك وذكر أنها في قراءة عبد الله: (إنني بريء) بالياء، وقد يجمع بريء: براء وأبراء. {إلا الذي فطرني} [الزخرف: 27] يقول: إني بريء مما تعبدون من شيء إلا من الذي فطرني، يعني الذي خلقني {فإنه سيهدين} [الزخرف: 27] يقول: فإنه سيقومني للدين الحق، ويوفقني لاتباع سبيل الرشد وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٧٥) ↗التحرير والتنوير
تصريحهم بتكذيب الرسل. وهذا تهديد بالانتقام من الذين شابهوهم في مقالهم، وهم كفار قريش. والانتقام افتعال من النقم وهو المكافأة بالسوء، وصيغة الافتعال لمجرد المبالغة، يقال: نقم كعلم وضرب، إذا كافأ على السوء بسوء، وفي المثل: هو كالأرقم إن يترك يلقم وإن يقتل ينقم. الأرقم: ضرب من الحيات يعتقد العرب أنه من الجن فإن تركه المرء يتسور عليه فيلسعه ويقتله وإن قتله المرء انتقم بتأثيره فأمات قاتله وهذا من أوهام العرب. والمراد بالانتقام استئصالهم وانقراضهم. وتقدم في قوله تعالى: فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم في سورة الأعراف [136] . ولذلك فالنظر في قوله: فانظر كيف كان عاقبة المكذبين نظر التفكر والتأمل فيما قص الله على رسوله من أخبارهم كقوله تعالى: قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين في سورة النمل [27] ، وليس نظر البصر إذ لم ير النبيء حالة الانتقام فيهم. ويجوز أن يكون الخطاب لغير معين، أي لكل من يتأتى منه التأمل. وكيف استفهام عن الحالة وهو قد علق فعل النظر عن مفعوله. [26، 27] وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (27) لما ذكرهم الله بالأمم الماضية وشبه حالهم بحالهم ساق لهم أمثالا في ذلك من مواقف الرسل مع أممهم منها قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه. وابتدأ بذكر إبراهيم وقومه إبطالا لقول المشركين: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون [الزخرف: 22] ، بأن أولى آبائهم بأن يقتدوا به هو أبوهم الذي يفتخرون بنسبته إبراهيم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٩١) ↗