سورة الزخرف · الآية ١٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن شناعة قول المشركين، الذين جعلوا لله تعالى ولدا، وهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحد، وإن ذلك باطل من عدة أوجه: منها: أن الخلق كلهم عباده، والعبودية تنافي الولادة. ومنها: أن الولد جزء من والده، والله تعالى بائن من خلقه، مباين لهم في صفاته ونعوت جلاله، والولد جزء من الوالد، فمحال أن يكون لله تعالى ولد. ومنها: أنهم يزعمون أن الملائكة بنات الله، ومن المعلوم أن البنات أدون الصنفين، فكيف يكون لله البنات، ويصطفيهم بالبنين، ويفضلهم بها؟! فإذا يكونون أفضل من الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ومنها: أن الصنف الذي نسبوه لله، وهو البنات، أدون الصنفين، وأكرههما لهم، حتى إنهم من كراهتهم لذلك { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا } من كراهته وشدة بغضه، فكيف يجعلون لله ما يكرهون؟ ومنها: أن الأنثى ناقصة في وصفها، وفي منطقها وبيانها، ولهذا قال تعالى: { أومن ينشأ في الحلية } أي: يجمل فيها، لنقص جماله، فيجمل بأمر خارج عنه؟ { وهو في الخصام } أي: عند الخصام الموجب لإظهار ما عند الشخص من الكلام، { غير مبين } أي: غير مبين لحجته، ولا مفصح عما احتوى عليه ضميره، فكيف ينسبونهن لله تعالى؟ ومنها: أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الله إناثا، فتجرؤوا على الملائكة، العباد المقربين، ورقوهم عن مرتبة العبادة والذل، إلى مرتبة المشاركة لله، في شيء من خواصه، ثم نزلوا بهم عن مرتبة الذكورية إلى مرتبة الأنوثية، فسبحان من أظهر تناقض من كذب عليه وعاند رسله. ومنها: أن الله رد عليهم بأنهم لم يشهدوا خلق الله لملائكته، فكيف يتكلمون بأمر من المعلوم عند كل أحد، أنه ليس لهم به علم؟! ولكن لا بد أن يسألوا عن هذه الشهادة، وستكتب عليهم، ويعاقبون عليها. وقوله تعالى: { وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم } فاحتجوا على عبادتهم الملائكة بالمشيئة، وهي حجة لم يزل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ويتوارى من القوم من خجله من ذلك، يقول تعالى: فكيف تأنفون أنتم من ذلك، وتنسبونه إلى الله عز وجل؟. ثم قال: {أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} أي: المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة، وإذا خاصمت فلا عبارة لها، بل هي عاجزة عيية، أو من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله عز وجل (1) ؟! فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن، في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه، ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض شعراء العرب: وما الحلي إلا زينة من نقيصة %~% يتمم من حسن إذا الحسن قصرا وأما إذا كان الجمال موفرا %~% كحسنك، لم يحتج إلى أن يزورا وأما نقص معناها، فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار، لا عبارة لها ولا همة، كما قال بعض العرب وقد بشر ببنت: "ما هي بنعم الولد: نصرها بالبكاء، وبرها سرقة". وقوله: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} أي: اعتقدوا فيهم ذلك، فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك، فقال: {أشهدوا خلقهم} أي: شاهدوه وقد خلقهم الله إناثا، {ستكتب شهادتهم} أي: بذلك، {ويسألون} عن ذلك يوم القيامة. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد. {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} أي: لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام، التي هي على صور (2) الملائكة التي هي بنات الله، فإنه عالم بذلك وهو يقررنا عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: أحدها: جعلهم لله ولدا، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا. الثاني: دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا. الثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كله، بلا دليل ولا برهان، ولا إذن من الله عز وجل، بل بمجرد الآراء والأهواء، والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء، والخبط في الجاهلية الجهلاء. الرابع: احتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدرا [والحجة إنما تكون بالشرع] (3) ، وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلا كبيرا، فإنه تعالى قد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٦٠) ↗التحرير والتنوير
البنات، لقول المشركين: إن الملائكة بنات الله من سروات الجن، أي أمهاتهم سروات الجن، أي شريفات الجن فسروات جمع سرية. وحكى القرطبي أن المبرد قال: الجزء هاهنا البنات، يقال: أجزأت المرأة، إذا ولدت أنثى. وفي «اللسان» عن الزجاج أنه قال: أنشدت بيتا في أن معنى جزء معنى الإناث ولا أدري البيت أقديم أم مصنوع، وهو: إن أجزأت حرة يوما فلا عجب ... قد تجزيء الحرة المذكار أحيانا وفي «تاج العروس» : أن هذا البيت أنشده ثعلب، وفي «اللسان» أنشد أبو حنيفة: زوجتها من بنات الأوس مجزئة ... للعوسج الرطب في أبياتها زجل ونسبه الماوردي في تفسيره إلى أهل اللغة. وجزم صاحب «الكشاف» بأن هذا المعنى كذب على العرب وأن البيتين مصنوعان. والجعل هنا معناه: الحكم على الشيء بوصفه حكما لا مستند له فكأنه صنع باليد والصنع باليد يطلق عليه الجعل. وجملة إن الإنسان لكفور مبين تذييل يدل على استنكار ما زعموه بأنه كفر شديد. والمراد ب الإنسان هؤلاء الناس خاصة. والمبين: الموضح كفره في أقواله الصريحة في كفر نعمة الله. [16، 17] أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم (17) أم للإضراب وهو هنا انتقالي لانتقال الكلام من إبطال معتقدهم بنوة الملائكة لله تعالى بما لزمه من انتقاص حقيقة الإلهية، إلى إبطاله بما يقتضيه من
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٧٧) ↗