سورة الزخرف · الآية ١٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن المشركين، أنك لو { سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن } الله وحده لا شريك له، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات، العليم بظواهر الأمور وبواطنها، وأوائلها وأواخرها، فإذا كانوا مقرين بذلك، فكيف يجعلون له الولد والصاحبة والشريك؟! وكيف يشركون به من لا يخلق ولا يرزق، ولا يميت ولا يحيي؟! ثم ذكر أيضا من الأدلة الدالة على كمال نعمته واقتداره، بما خلقه لعباده من الأرض التي مهدها وجعلها قرارا للعباد، يتمكنون فيها من كل ما يريدون. { وجعل لكم فيها سبلا } أي: جعل منافذ بين سلاسل الجبال المتصلة، تنفذون منها إلى ما وراءها من الأقطار. { لعلكم تهتدون } في السير في الطرق ولا تضيعون، ولعلكم تهتدون أيضا في الاعتبار بذلك والادكار فيه. { والذي نزل من السمآء مآء بقدر } لا يزيد ولا ينقص، ويكون أيضا بمقدار الحاجة، لا ينقص بحيث لا يكون فيه نفع، ولا يزيد بحيث يضر العباد والبلاد، بل أغاث به العباد، وأنقذ به البلاد من الشدة، ولهذا قال: { فأنشرنا به بلدة ميتا } أي: أحييناها بعد موتها، { كذلك تخرجون } أي: فكما أحيا الأرض الميتة الهامدة بالماء، كذلك يحييكم بعد ما تستكملون في البرزخ، ليجازيكم بأعمالكم. { والذي خلق الأزواج كلها } أي: الأصناف جميعها، مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون، من ليل ونهار، وحر وبرد، وذكر وأنثى، وغير ذلك. { وجعل لكم من الفلك } أي: السفن البحرية، الشراعية والنارية، ما تركبون { و } من { الأنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره } وهذا شامل لظهور الفلك ولظهور الأنعام، أي: لتستقروا عليها، { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } بالاعتراف بالنعمة لمن سخرها، والثناء عليه تعالى بذلك، ولهذا قال: { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } أي: لولا تسخيره لنا ما سخر من الفلك، والأنعام، ما كنا مطيقين لذلك وقادرين عليه، ولكن من لطفه وكرمه تعالى، سخرها وذللها ويسر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم. {والذي نزل من السماء ماء بقدر} أي: بحسب الكفاية لزروعكم (1) وثماركم وشربكم، لأنفسكم ولأنعامكم. وقوله: {فأنشرنا به بلدة ميتا} أي: أرضا ميتة، فلما جاءها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج. ثم نبه بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها، فقال: {كذلك تخرجون} ثم قال: {والذي خلق الأزواج كلها} أي: مما تنبت الأرض من سائر الأصناف، من نبات وزروع وثمار وأزاهير، وغير ذلك [أي] (2) من الحيوانات على اختلاف أجناسها وأصنافها، {وجعل لكم من الفلك} أي: السفن {والأنعام ما تركبون} أي: ذللها لكم وسخرها ويسرها لأكلكم لحومها، وشربكم ألبانها وركوبكم ظهورها؛ ولهذا قال: {لتستووا على ظهوره} (3) أي: لتستووا (4) متمكنين مرتفقين {على ظهوره} أي: على ظهور هذا الجنس، {ثم تذكروا نعمة ربكم} أي: فيما سخر لكم {إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} أي: مقاومين. ولولا تسخير (5) الله لنا هذا ما قدرنا عليه. قال ابن عباس (6) ، وقتادة، والسدي وابن زيد: {مقرنين} أي: مطيقين. (7) {وإنا إلى ربنا لمنقلبون} أي: لصائرون إليه بعد مماتنا، وإليه سيرنا الأكبر. وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي على [الزاد] (8) الأخروي في قوله: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [البقرة: 197] وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: {وريشا ولباس التقوى ذلك خير [ذلك من آيات الله] } [الأعراف: 26] . ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة: حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة قال: رأيت عليا، رضي الله عنه، أتي (9) بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله. فلما استوى عليها قال: الحمد لله، {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ظهوره} [الزخرف: 13] وتذكيرها، فقال بعض نحويي البصرة: تذكيره يعود على ما تركبون، وما هو مذكر، كما يقال: عندي من النساء من يوافقك ويسرك، وقد تذكر الأنعام وتؤنث وقد قال في موضع آخر: {مما في بطونه} [النحل: 66] وقال في موضع آخر: {بطونها} [النحل: 69] وقال بعض نحويي الكوفة: أضيفت الظهور إلى الواحد، لأن ذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٥٦) ↗التحرير والتنوير
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال وقرأ الجمهور تخرجون بالبناء للنائب. وقرأه حمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر تخرجون بالبناء للفاعل والمعنى واحد. [12- 14] والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) هذا الانتقال من الاستدلال والامتنان بخلق وسائل الحياة إلى الاستدلال بخلق وسائل الاكتساب لصلاح المعاش، وذكر منها وسائل الإنتاج وأتبعها بوسائل الاكتساب بالأسفار للتجارة. وإعادة اسم الموصول لما تقدم في نظيره آنفا. والأزواج: جمع زوج، وهو كل ما يصير به الواحد ثانيا، فيطلق على كل منهما أنه زوج للآخر مثل الشفع. وغلب الزوج على الذكر وأنثاه من الحيوان، ومنه ثمانية أزواج في سورة الأنعام [143] ، وتوسع فيه فأطلق الزوج على الصنف ومنه قوله: ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين [الرعد: 3] . وكلا الإطلاقين يصح أن يراد هنا، وفي أزواج الأنعام منافع بألبانها وأصوافها وأشعارها ولحومها ونتاجها. ولما كان المتبادر من الأزواج بادىء النظر أزواج الأنعام وكان من أهمها عندهم الرواحل عطف عليها ما هو منها وسائل للتنقل برا وأدمج معها وسائل السفر بحرا. فقال: وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون فالمراد ب ما تركبون بالنسبة إلى الأنعام هو الإبل لأنها وسيلة الأسفار قال تعالى: وآية لهم أنا حملنا ذرياتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون [يس: 41، 42] وقد قالوا: الإبل سفائن البر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٧٢) ↗