سورة الشورى · الآية ٤٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم. فمرتبة العدل، جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله. ومرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } يجزيه أجرا عظيما، وثوابا كثيرا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورا به. وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فليعف عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل. وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: { إنه لا يحب الظالمين } الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم. { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: انتصر ممن ظلمه بعد وقوع الظلم عليه { فأولئك ما عليهم من سبيل } أي: لا حرج عليهم في ذلك. ودل قوله: { والذين إذآ أصابهم البغي } وقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه } أنه لا بد من إصابة البغي والظلم ووقوعه. وأما إرادة البغي على الغير، وإرادة ظلمه من غير أن يقع منه شيء، فهذا لا يجازى بمثله، وإنما يؤدب تأديبا يردعه عن قول أو فعل صدر منه. { إنما السبيل } أي: إنما تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية { على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق } وهذا شامل للظلم والبغي على الناس، في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. { أولئك لهم عذاب أليم } أي: موجع للقلوب والأبدان، بحسب ظلمهم وبغيهم. { ولمن صبر } على ما يناله من أذى الخلق { وغفر } لهم، بأن سمح لهم عما يصدر منهم، { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي: لمن الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وكقوله (1) {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل:129] فشرع العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، كقوله [تعالى] (2) {والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة:45] ؛ ولهذا قال هاهنا: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} أي: لا يضيع ذلك عند الله كما صح في الحديث: "وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا" وقوله: {إنه لا يحب الظالمين} أي: المعتدين، وهو المبتدئ بالسيئة. [وقال بعضهم: لما كانت الأقسام ثلاثة: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية فذكر المقتصد وهو الذي يفيض بقدر حقه لقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ، ثم ذكر السابق بقوله: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} ثم ذكر الظالم بقوله: {إنه لا يحب الظالمين} فأمر بالعدل،وندب إلى الفضل، ونهى من الظلم] (3) . ثم قال: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم. قال ابن جرير (4) حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع (5) حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا (6) ابن عون قال: كنت أسأل عن الانتصار: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} فحدثني علي بن زيد (7) بن جدعان عن أم محمد -امرأة أبيه-قال ابن عون: زعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين عائشة (8) -قالت: قالت أم المؤمنين: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندنا زينب بنت جحش، فجعل يصنع بيده شيئا فلم يفطن لها، فقلت بيده حتى (9) فطنته لها، فأمسك. وأقبلت زينب تقحم لعائشة، فنهاها، فأبت أن تنتهي. فقال لعائشة: "سبيها" فسبتها فغلبتها، وانطلقت زينب فأتت عليا فقالت: إن عائشة تقع بكم، وتفعل بكم. فجاءت فاطمة فقال (10) لها "إنها حبة أبيك ورب الكعبة" فانصرفت، وقالت لعلي: إني قلت له كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا. قال: وجاء علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه في ذلك (11) . هكذا ورد هذا السياق، وعلي بن زيد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الانتصار منه قادر ابتغاء وجه الله وجزيل ثوابه {إن ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى: 43] يقول: إن صبره ذلك وغفرانه ذنب المسيء إليه، لمن عزم الأمور التي ندب إليها عباده، وعزم عليهم العمل به {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده} [الشورى: 44] يقول: ومن خذله الله عن الرشاد، فليس له من ولي يليه، فيهديه لسبيل الصواب، ويسدده من بعد إضلال الله إياه {وترى الظالمين لما رأوا العذاب} [الشورى: 44] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وترى الكافرين بالله يا محمد يوم القيامة لما عاينوا عذاب الله يقولون لربهم: {هل} [البقرة: 210] لنا يا رب {إلى مرد من سبيل} [الشورى: 44] وذلك كقوله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٢٩) ↗التحرير والتنوير
43] ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) عطف على جملة ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل [الشورى: 41] ، وموقع هذه الجملة موقع الاعتراض بين جملة إنما السبيل على الذين يظلمون الناس [الشورى: 42] وجملة ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده [الشورى: 44] . وهذ الجملة تفيد بيان مزية المؤمنين الذي تحملوا الأذى من المشركين وصبروا عليه ولم يؤاخذوا به من آمن ممن آذوهم مثل أخت عمر بن الخطاب قبل إسلامه، ومثل صهره سعيد بن زيد فقد قال «لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر» ، فكان في صبر سعيد خير دخل به عمر في الإسلام، ومزية المؤمنين الذين يصبرون على ظلم إخوانهم ويغفرون لهم فلا ينتصفون منهم ولا يستعدون عليهم على نحو ما تقدم في مسألة التحلل عند قوله تعالى: فمن عفا وأصلح فأجره على الله [الشورى: 40] . واللام الداخلة على (من) لام ابتداء و (من) موصولة. وجملة إن ذلك لمن عزم الأمور خبر عن (من) الموصولة، ولام لمن عزم الأمور لام الابتداء التي تدخل على خبر إن وهي من لامات الابتداء. وقد اشتمل هذا الخبر على أربعة مؤكدات هي: اللام، وإن، ولام الابتداء، والوصف بالمصدر في قوله: عزم الأمور تنويها بمضمونه، وزيد تنويها باسم الإشارة في قوله إن ذلك فصار فيه خمسة اهتمامات. والعزم: عقد النية على العمل والثبات على ذلك والوصف بالعزم مشعر بمدح الموصوف لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيرا على النفوس لأنها تعاكس الشهوات، ومن ثم وصف أفضل الرسل بأولي العزم. والأمور: جمع أمر. والمراد به هنا: الخلال والصفات وإضافة عزم إلى الأمور من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي من الأمور العزم. ووصف الأمور ب (العزم) من الوصف بالمصدر للمبالغة في تحقق المعنى فيها،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٢٢) ↗