البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الشورى · الآية ٢٧

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا بيان لكمال كرم الله تعالى وسعة جوده وتمام لطفه، بقبول التوبة الصادرة من عباده حين يقلعون عن ذنوبهم ويندمون عليها، ويعزمون على أن لا يعاودوها إذا قصدوا بذلك وجه ربهم، فإن الله يقبلها بعد ما انعقدت سببا للهلاك، ووقوع العقوبات الدنيوية والدينية. { ويعفوا عن السيئات } ويمحوها، ويمحو أثرها من العيوب، وما اقتضته من العقوبات، ويعود التائب عنده كريما، كأنه ما عمل سوءا قط، ويحبه ويوفقه لما يقربه إليه. ولما كانت التوبة من الأعمال العظيمة، التي قد تكون كاملة بسبب تمام الإخلاص والصدق فيها، وقد تكون ناقصة عند نقصهما، وقد تكون فاسدة إذا كان القصد منها بلوغ غرض من الأغراض الدنيوية، وكان محل ذلك القلب الذي لا يعلمه إلا الله، ختم هذه الآية بقوله: { ويعلم ما تفعلون } فالله تعالى دعا جميع العباد إلى الإنابة إليه والتوبة من التقصير، فانقسموا - بحسب الاستجابة له - إلى قسمين: مستجيبين وصفهم بقوله { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي: يستجيبون لربهم لما دعاهم إليه وينقادون له ويلبون دعوته، لأن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح يحملهم على ذلك، فإذا استجابوا له، شكر الله لهم، وهو الغفور الشكور. وزادهم من فضله توفيقا ونشاطا على العمل، وزادهم مضاعفة في الأجر زيادة عن ما تستحقه أعمالهم من الثواب والفوز العظيم. وأما غير المستجيبين لله وهم المعاندون الذين كفروا به وبرسله، ف { لهم عذاب شديد } في الدنيا والآخرة، ثم ذكر أن من لطفه بعباده، أنه لا يوسع عليهم الدنيا سعة، تضر بأديانهم فقال: { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } أي: لغفلوا عن طاعة الله، وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا، فأوجبت لهم الإكباب على ما تشتهيه نفوسهم، ولو كان معصية وظلما. { ولكن ينزل بقدر ما يشآء } بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته { إنه بعباده خبير بصير } كما في بعض الآثار أن الله تعالى يقول: " إن من عبادي من لا يصلح إيمانه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قال (1) حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك -وهو عمه (2) -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك -أخطأ من شدة الفرح" (3) . وقد ثبت أيضا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود نحوه (4) (5) . وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} : أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته (6) في المكان الذي يخاف أن يقتله العطش فيه" (7) . وقال همام بن الحارث: سئل ابن مسعود عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: لا بأس به، وقرأ: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} الآية رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي، عن همام فذكره (8) . وقوله: {ويعفو عن السيئات} أي: يقبل التوبة في المستقبل ويعفو عن السيئات في الماضي، {ويعلم ما تفعلون} أي: هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم، ومع هذا يتوب على من تاب إليه. وقوله: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال السدي: يعني يستجيب لهم. وكذا قال ابن جرير: معناه يستجيب الدعاء لهم (9) [لأنفسهم] (10) ولأصحابهم وإخوانهم. وحكاه عن بعض النحاة، وأنه جعلها كقوله: {فاستجاب لهم ربهم} [آل عمران: 195] . ثم روى هو وابن أبي حاتم، من حديث الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبرة قال: خطبنا معاذ بالشام فقال: أنتم المؤمنون، وأنتم أهل الجنة. والله إني أرجو أن يدخل الله من تسبون من فارس والروم الجنة، وذلك بأن أحدكم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

عندهم لبغوا، فتجاوزوا الحد الذي حده الله لهم إلى غير الذي حده لهم في بلاده بركوبهم في الأرض ما حظره عليهم، ولكنه ينزل رزقهم بقدر لكفايتهم الذي يشاء منه.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٠٩) ↗

التحرير والتنوير

الآيات الأربع التي ذكرها ابن عباس. وفي «أحكام القرآن» لابن الفرس عن مقاتل: أن قوله تعالى: ولو بسط الله الرزق لعباده [الشورى: 27] الآية نزل في أهل الصفة فتكون مدنية، وفيه عنه أن قوله تعالى: والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون إلى قوله: ما عليهم من سبيل [الشورى: 39- 41] نزل بالمدينة. نزلت بعد سورة الكهف وقبل سورة إبراهيم وعدت التاسعة والستين في ترتيب نزول السور عند الجعبري المروي عن جابر بن زيد. وإذا صح أن آية وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا [الشورى: 28] نزلت في انحباس المطر عن أهل مكة كما قال مقاتل تكون السورة نزلت في حدود سنة ثمان بعد البعثة، ولعل نزولها استمر إلى سنة تسع بعد أن آمن نقباء الأنصار ليلة العقبة فقد قيل: إن قوله: والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم [الشورى: 38] أريد به الأنصار قبل هجرة النبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وعدت آيها عند أهل المدينة ومكة والشام والبصرة خمسين، وعند أهل الكوفة ثلاثا وخمسين. أول أغراضها الإشارة إلى تحدي الطاعنين في أن القرآن وحي من الله بأن يأتوا بكلام مثله، فهذا التحدي لا تخلو عنه السور المفتتحة بالحروف الهجائية المقطعة، كما تقدم في سورة البقرة. واستدل الله على المعاندين بأن الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما هو إلا كالوحي إلى الرسل من قبله لينذر أهل مكة ومن حولها بيوم الحساب. وأن الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض لا تعارض قدرته ولا يشك في حكمته، وقد خضعت له العوالم العليا ومن فيها وهو فاطر المخلوقات فهو يجتبي من يشاء لرسالته فلا بدع أن يشرع للأمة المحمدية من الدين مثل ما شرع لمن قبله من الرسل، وما أرسل الله الرسل إلا من البشر يوحي إليهم فلم يسبق أن أرسل ملائكة لمخاطبة عموم الناس مباشرة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٤) ↗