سورة فصلت · الآية ٤٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } كما آتيناك الكتاب، فصنع به الناس ما صنعوا معك، اختلفوا فيه: فمنهم من آمن به واهتدى وانتفع، ومنهم من كذبه ولم ينتفع به، وإن الله تعالى، لولا حلمه وكلمته السابقة بتأخير العذاب إلى أجل مسمى لا يتقدم عليه ولا يتأخر { لقضي بينهم } بمجرد ما يتميز المؤمنون من الكافرين، بإهلاك الكافرين في الحال، لأن سبب الهلاك قد وجب وحق. { وإنهم لفي شك منه مريب } أي: قد بلغ بهم إلى الريب الذي يقلقهم، فلذلك كذبوه وجحدوه. { من عمل صلحا } وهو العمل الذي أمر الله به ورسوله { فلنفسه } نفعه وثوابه في الدنيا والآخرة، { ومن أسآء فعليها } ضرره وعقابه في الدنيا والآخرة، وفي هذا حث على فعل الخير وترك الشر، وانتفاع العاملين بأعمالهم الحسنة، وضررهم بأعمالهم السيئة، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. { وما ربك بظلم للعبيد } فيحمل أحدا فوق سيئاتهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فصلت ٤٥–٤٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض} أي: من الكواكب والجبال، والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به، أي: الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه؛ ولهذا قال: {جميعا منه} أي: من عنده وحده لا شريك له في ذلك، كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} [النحل: 53] . وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} كل شيء هو من الله، وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعا منه، ولا ينازعه فيه المنازعون، واستيقن أنه كذلك. وقال (1) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفرياني، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي أراكة قال: سأل رجل عبد الله بن عمرو قال: مم خلق الخلق؟ قال: من النور والنار، والظلمة والثرى. قال وائت ابن عباس فاسأله. فأتاه فقال له مثل ذلك، فقال: ارجع إليه فسله: مم خلق ذلك كله؟ فرجع إليه فسأله، فتلا {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} هذا أثر غريب، وفيه نكارة. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} وقوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} أي: يصفحوا عنهم ويحملوا (2) الأذى منهم. وهذا كان في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب، ليكون ذلك لتأليف قلوبهم (3) ، ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد. هكذا روي عن ابن عباس، وقتادة. وقال مجاهد [في قوله] (4) {لا يرجون أيام الله} لا يبالون (5) نعم الله. وقوله: {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} أي: إذا صفحوا (6) عنهم في الدنيا، فإن الله مجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة؛ ولهذا قال: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون} أي: تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم [عليه] (7) فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٦٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
المعاد من الله الجنة والنجاة من النار {ومن أساء فعليها} [فصلت: 46] يقول: ومن عمل بمعاصي الله فيها، فعلى نفسه جنى، لأنه أكسبها بذلك سخط الله، والعقاب الأليم {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] يقول تعالى ذكره: وما ربك يا محمد بحامل عقوبة ذنب مذنب على غير مكتسبه، بل لا يعاقب أحدا إلا على جرمه الذي اكتسبه في الدنيا، أو على سبب استحقه به منه، والله أعلم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٥٤) ↗التحرير والتنوير
أن الله أخر القضاء بينهم وبين المؤمنين إلى أجل اقتضته حكمته، فأما قوم موسى فقد قضى بينهم باستئصال قوم فرعون، وبتمثيل الآشوريين باليهود بعد موسى، وبخراب بيت المقدس، وزوال ملك إسرائيل آخرا. وهذا الكلام داخل في إتمام التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في استبطاء النصر. والكلمة هي كلمة الإمهال إلى يوم القيامة بالنسبة لبعض المكذبين، والإمهال إلى يوم بدر بالنسبة لمن صرعوا ببدر. والتعبير عن الجلالة بلفظ ربك لما في معنى الرب من الرأفة به والانتصار له، ولما في الإضافة إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم من التشريف. وكلا الأمرين تعزيز للتسلية. ولك أن تجعل كلمة (بين) دالة على أخرى مقدرة على سبيل إيجاز الحذف. والتقدير: بينهم وبين المؤمنين، أي بما يظهر به انتصار المؤمنين، فإنه يكثر أن يقال: بين كذا وبين كذا، قال تعالى: وحيل بينهم وبين ما يشتهون [سبأ: 54] . ومعنى سبقت أي تقدمت في علمه على مقتضى حكمته وإرادته. والأجل المسمى: جنس يصدق بكل ما أجل به عقابهم في علم الله. وأما ضمير وإنهم لفي شك منه مريب فهو خاص بالمشركين الشاكين في البعث والشاكين في أن الله ينصر رسوله والمؤمنين. والريب: الشك، فوصف شك ب مريب من قبيل الإسناد المجازي لقصد المبالغة بأن اشتق له من اسمه وصف كقولهم: ليل أليل! وشعر شاعر. [46] من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46) هذا من مكملات التسلية ومن مناسبات ذكر الأجل المسمى. وفيه معنى التذييل لأن من في الموضعين مفيدة للعموم سواء اعتبرت شرطية أو
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٣١٨) ↗