البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة فصلت · الآية ٣٥

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } أي: لا يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها، ولا في وصفها، ولا في جزائها هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60]. ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من أساء إليك، فقال: { ادفع بالتي هي أحسن } أي: فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصا من له حق كبير عليك، كالأقارب والأصحاب ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فصله، وإن ظلمك فاعف عنه، وإن تكلم فيك غائبا أو حاضرا فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين. وإن هجرك وترك خطابك، فطيب له الكلام، وابذل له السلام، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة. { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } أي: كأنه قريب شفيق. { وما يلقاها } أي: وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة { إلا الذين صبروا } نفوسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله، فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان؟!! فإذا صبر الإنسان نفسه، وامتثل أمر ربه، وعرف جزيل الثواب، وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله لا يفيده شيئا، ولا يزيد العداوة إلا شدة، وأن إحسانه إليه ليس بواضع قدره، بل من تواضع لله رفعه، هان عليه الأمر، وفعل ذلك متلذذا مستحليا له. { وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم } لكونها من خصال خواص الخلق، التي ينال بها العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، التي هي من أكبر خصال مكارم الأخلاق.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فصلت ٣٤–٣٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال: وقال عمر بن الخطاب: لو كنت مؤذنا لكمل أمري، وما باليت ألا أنتصب لقيام الليل ولا لصيام النهار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم اغفر للمؤذنين" ثلاثا، قال: فقلت: يا رسول الله، تركتنا، ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف. قال: "كلا يا عمر، إنه يأتي (1) على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم، وتلك لحوم حرمها الله على النار، لحوم المؤذنين" (2) . قال: وقالت عائشة: ولهم هذه الآية: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} قالت: فهو المؤذن إذا قال: "حي على الصلاة" فقد دعا إلى الله. وهكذا قال ابن عمر، وعكرمة: إنها نزلت في المؤذنين. وقد ذكر البغوي عن أبي أمامة الباهلي، رضي الله عنه، أنه قال في قوله: {وعمل صالحا} قال: يعني صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة. ثم أورد البغوي حديث "عبد الله بن المغفل" قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين كل أذانين صلاة". ثم قال في الثالثة: "لمن شاء" (3) وقد أخرجه الجماعة في كتبهم، من حديث عبد الله بن بريدة، عنه (4) وحديث الثوري، عن زيد العمي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال الثوري: لا أراه إلا وقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة". ورواه أبو داود والترمذي، والنسائي في "اليوم والليلة" كلهم من حديث الثوري، به (5) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه النسائي أيضا من حديث سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس، به (6) . والصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم، فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعا بالكلية؛ لأنها مكية، والأذان إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة، حين أريه عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه، فقصه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يلقيه على بلال فإنه أندى صوتا، كما هو مقرر في موضعه، فالصحيح إذا أنها عامة، كما قال عبد …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٣٣) ↗

التحرير والتنوير

الذي بينك وبينه عداوة لكفره، فلذلك لا تشمل الآية من آمنوا بعد الكفر فزالت عداوتهم للنبيء صلى الله عليه وسلم لأجل إيمانهم كما زالت عداوة عمر رضي الله عنه بعد إسلامه حتى قال يوما للنبيء صلى الله عليه وسلم: لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي، وكما زالت عداوة هند بنت عتبة زوج أبي سفيان إذ قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم: ما كان أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك واليوم ما أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك فقال لها النبيء صلى الله عليه وسلم وأيضا ، أي وستزيدين حبا. وعن مقاتل: أنه قال: هذه الآية نزلت في أبي سفيان كان عدوا للنبيء صلى الله عليه وسلم في الجاهلية فصار بعد إسلامه وليا مصافيا. وهو وإن كان كما قالوا فلا أحسب أن الآية نزلت في ذلك لأنها نزلت في اكتساب المودة بالإحسان. والولي: اسم مشتق من الولاية بفتح الواو، والولاء، وهو: الحليف والناصر، وهو ضد العدو، وتقدم في غير آية من القرآن. والحميم: القريب والصديق. ووجه الجمع بين ولي حميم أنه جمع خصلتين كلتاهما لا تجتمع مع العداوة وهما خصلتا الولاية والقرابة. [35] 35] وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) عطف على جملة ادفع بالتي هي أحسن [فصلت: 34] ، أو حال من (التي هي أحسن) ، وضمير يلقاها عائد إلى (التي هي أحسن) باعتبار تعلقها بفعل (ادفع) ، أي بالمعاملة والمدافعة التي هي أحسن، فأما مطلق الحسنة فقد يحصل لغير الذين صبروا. وهذا تحريض على الارتياض بهذه الخصلة بإظهار احتياجها إلى قوة عزم وشدة مراس للصبر على ترك هوى النفس في حب الانتقام، وفي ذلك تنويه بفضلها بأنها تلازمها خصلة الصبر وهي في ذاتها خصلة حميدة وثوابها جزيل كما علم من عدة آيات في القرآن، وحسبك قوله تعالى: إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 2، 3] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٢٩٤) ↗