سورة غافر · الآية ٤٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن تخاصم أهل النار، وعتاب بعضهم بعضا، واستغاثتهم بخزنة النار، وعدم الفائدة في ذلك فقال: { وإذ يتحآجون في النار } يحتج التابعون بإغواء المتبوعين، ويتبرأ المتبوعون من التابعين، { فيقول الضعفاء } أي: الأتباع للقادة { للذين استكبروا } على الحق، ودعوهم إلى ما استكبروا لأجله. { إنا كنا لكم تبعا } أنتم أغويتمونا وأضللتمونا وزينتم لنا الشرك والشر، { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار } أي: ولو قليلا. { قال الذين استكبروا } مبينين لعجزهم ونفوذ الحكم الإلهي في الجميع: { إنا كل فيهآ إن الله قد حكم بين العباد } وجعل لكل قسطه من العذاب، فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه، ولا يغير ما حكم به الحكيم. { وقال الذين في النار } من المستكبرين والضعفاء { لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } لعله تحصل بعض الراحة. ف { قالوا } لهم موبخين ومبينين أن شفاعتهم لا تنفعهم، ودعاءهم لا يفيدهم شيئا: { أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات } التي تبينتم بها الحق والصراط المستقيم، وما يقرب من الله وما يبعد منه؟ { قالوا بلى } قد جاؤونا بالبينات، وقامت علينا حجة الله البالغة، فظلمنا وعاندنا الحق بعد ما تبين. { قالوا } أي: الخزنة لأهل النار، متبرئين من الدعاء لهم والشفاعة: { فادعوا } أنتم ولكن هذا الدعاء، هل يغني شيئا أم لا؟ قال تعالى: { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } أي: باطل لاغ، لأن الكفر محبط لجميع الأعمال، صاد لإجابة الدعاء.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: غافر ٤٧–٥٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقولون إنهم ستمائة ألف مقاتل (1) . وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله، عز وجل، إلى يوم القيامة". أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، به (3) . يخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار، وتخاصمهم، وفرعون وقومه من جملتهم {فيقول الضعفاء} وهم: الأتباع {للذين استكبروا} وهم: القادة والسادة والكبراء: {إنا كنا لكم تبعا} أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، {فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} أي: قسطا تتحملونه عنا. {قال الذين استكبروا إنا كل فيها} أي: لا نتحمل عنكم شيئا، كفى بنا ما عندنا، وما حملنا من العذاب والنكال. {إن الله قد حكم بين العباد} أي: يقسم (1) بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا، كما قال تعالى: {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} [الأعراف: 38] . {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} لما علموا أن الله، سبحانه، لا يستجيب منهم ولا يستمع لدعائهم، بل قد قال: {اخسؤوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون:108] سألوا الخزنة -وهم كالبوابين (2) لأهل النار-أن يدعوا لهم الله أن يخفف عن الكافرين ولو يوما واحدا من العذاب، فقالت لهم الخزنة رادين عليهم:: {أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات} أي: أوما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل؟ {قالوا بلى قالوا فادعوا} أي: أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم، ونحن منكم برآء، ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم؛ ولهذا قالوا (3) : {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} أي: إلا من ذهاب، لا يتقبل ولا يستجاب.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٤٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٤٢) ↗التحرير والتنوير
الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان [غافر: 35] وما بين هذا وذاك اعتراض واستطراد لأنها قصد منها عظة المشركين بمن سبقهم من الأمم المكذبين فلما استوفي ذلك عاد الكلام إليهم. ويفيد ذلك صريح الوعيد للمشركين بعد أن ضربت لهم الأمثال كما قال تعالى: وللكافرين أمثالها [محمد: 10] ، وقد تكرر في القرآن موعظة المشركين بمثل هذا كقوله تعالى: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا الآية في سورة البقرة [166] ، وقوله: قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار الآية في سورة الأعراف [38] . ويجوز أن تكون وإذ يتحاجون عطفا على جملة ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [غافر: 46] لأن (إذ) و (يوم) كليهما ظرف بمعنى (حين) ، فيكون المعنى: وحين تقوم الساعة يقال: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، وحين يتحاج أهل النار فيقول الضعفاء إلخ. وقرن فيقول الضعفاء بالفاء لإفادة كون هذا القول ناشئا عن تحاجهم في النار مع كون ذلك دالا على أنه في معنى متعلق إذ، وهذا استعمال من استعمالات الفاء التي يسميها النحاة زائدة، وأثبت زيادتها جماعة منهم الأخفش والفراء والأعلم وابن برهان، وحكاه عن أصحابه البصريين. وضمير يتحاجون على هذا الوجه عائد إلى آل فرعون. ويفيد مع ذلك تعريضا بوعيد المشركين كما هو مقتضى المماثلة المسوقة وضمير يتحاجون غير عائد إلى آل فرعون [غافر: 46] لأن ذلك يأباه قوله: وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم [غافر: 49] وقوله: أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات [غافر: 50] ولم يأت آل فرعون إلا رسول واحد هو موسى عليه السلام فيعود ضمير يتحاجون إلى معلوم من المقام وهم أهل النار. والتحاج: الاحتجاج من جانبين فأكثر، أي إقامة كل فريق حجته وهو يقتضي وقوع خلاف بين المتحاجين إذ الحجة تأييد لدعوى لدفع الشك في صحتها. والضعفاء: عامة الناس الذين لا تصرف لهم في أمور الأمة. والذين
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٦٠) ↗