سورة غافر · الآية ١٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى نعمه العظيمة على عباده، بتبيين الحق من الباطل، بما يري عباده من آياته النفسية والآفاقية والقرآنية، الدالة على كل مطلوب مقصود، الموضحة للهدى من الضلال، بحيث لا يبقى عند الناظر فيها والمتأمل لها أدنى شك في معرفة الحقائق، وهذا من أكبر نعمه على عباده، حيث لم يبق الحق مشتبها، ولا الصواب ملتبسا، بل نوع الدلالات ووضح الآيات، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة وكلما كانت المسائل أجل وأكبر، كانت الدلائل عليها أكثر وأيسر، فانظر إلى التوحيد لما كانت مسألته من أكبر المسائل، بل أكبرها، كثرت الأدلة عليها العقلية والنقلية وتنوعت، وضرب الله لها الأمثال وأكثر لها من الاستدلال، ولهذا ذكرها في هذا الموضع، ونبه على جملة من أدلتها فقال: { فادعوا الله مخلصين له الدين }. ولما ذكر أنه يري عباده آياته، نبه على آية عظيمة فقال: { وينزل لكم من السمآء رزقا } أي: مطرا به ترزقون وتعيشون أنتم وبهائمكم، وذلك يدل على أن النعم كلها منه، فمنه نعم الدين، وهي المسائل الدينية والأدلة عليها، وما يتبع ذلك من العمل بها. والنعم الدنيوية كلها، كالنعم الناشئة عن الغيث، الذي تحيا به البلاد والعباد. وهذا يدل دلالة قاطعة أنه وحده هو المعبود، الذي يتعين إخلاص الدين له، كما أنه - وحده - المنعم. { وما يتذكر } بالآيات حين يذكر بها { إلا من ينيب } إلى الله تعالى، بالإقبال على محبته وخشيته وطاعته والتضرع إليه، فهذا الذي ينتفع بالآيات، وتصير رحمة في حقه، ويزداد بها بصيرة. ولما كانت الآيات تثمر التذكر، والتذكر يوجب الإخلاص لله، رتب الأمر على ذلك بالفاء الدالة على السببية فقال: { فادعوا الله مخلصين له الدين } وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، والإخلاص معناه: تخليص القصد لله تعالى في جميع العبادات الواجبة والمستحبة، حقوق الله وحقوق عباده. أي: أخلصوا لله تعالى في كل ما تدينونه به وتتقربون به إليه. { ولو كره …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال الثوري، عن أبي (1) إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود [رضي الله عنه] (2) : هذه الآية كقوله تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} [البقرة: 28] وكذا قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وأبو مالك. وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية. وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة. وقال ابن زيد: أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم، ثم خلقهم في الأرحام ثم أماتهم [ثم أحياهم] (3) يوم القيامة. وهذان القولان -من السدي وابن زيد-ضعيفان؛ لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات. والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما. والمقصود من هذا كله: أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله، عز وجل، في عرصات القيامة، كما قال: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} [السجدة:12] ، فلا يجابون. ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها، ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنكال، سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة، فلا يجابون، قال الله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام:27، 28] فإذا دخلوا النار وذاقوا مسها وحسيسها ومقامعها وأغلالها، كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم، {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير} [فاطر:37] ، {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون. قال اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 107، 108] ، وفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال، وقدموا بين يدي كلامهم مقدمة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من أرزاقكم من PageEndV20P294 السماء بإدرار الغيث الذي يخرج به أقواتكم من الأرض، وغذاء أنعامكم عليكم {وما يتذكر إلا من ينيب} [غافر: 13] يقول: وما يتذكر حجج الله التي جعلها أدلة على وحدانيته، فيعتبر بها ويتعظ، ويعلم حقيقة ما تدل عليه، إلا من ينيب، يقول: إلا من يرجع إلى توحيده، ويقبل على طاعته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٢٩٣) ↗التحرير والتنوير
أدمج معها امتنان، ولذلك عقب الأمران بقوله: وما يتذكر إلا من ينيب. وصيغة المضارع في يريكم وينزل تدل على أن المراد إراءة متجددة وتنزيل متجدد وإنما يكون ذلك في الدنيا، فتعين أن الخطاب مستأنف مراد به المؤمنون وليس من بقية خطاب المشركين في جهنم، ويزيد ذلك تأييدا قوله: فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون [غافر: 14] . وعدي فعلا (يري) وينزل إلى ضمير المخاطبين وهم المؤمنون لأنهم الذين انتفعوا بالآيات فآمنوا وانتفعوا بالرزق فشكروا بالعمل بالطاعات فجعل غيرهم بمنزلة غير المقصودين بالآيات لأنهم لم ينتفعوا بها كما قال تعالى: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت: 43] فجعل غير العالمين كمن لا يعقل ولا يفقه. ولذلك ذيلت إراءة الآيات وإنزال الرزق لهم بقوله: وما يتذكر إلا من ينيب أي من آمن ونبذ الشرك لأن الشرك يصد أهله عن الإنصاف وإعمال النظر في الأدلة. والإنابة: التوبة، وفي صيغة المضارع إشارة إلى أن الإنابة المحصلة للمطلوب هي الإنابة المتجددة المتكررة، وإذ قد كان المخاطبون منيبين إلى الله كان قوله: وما يتذكر إلا من ينيب دالا بدلالة الاقتضاء على أنهم رأوا الآيات واطمأنوا بها وأنهم عرفوا قدر النعمة وشكروها فكان بين الإنابة وبين التذكر تلازم عادي، ولذلك فجملة وما يتذكر إلا من ينيب تذييل. وتقديم لكم على مفعول ينزل وهو رزقا لكمال الامتنان بأن جعل تنزيل الرزق لأجل الناس ولو أخر المجرور لصار صفة ل رزقا فلا يفيد أن التنزيل لأجل المخاطبين بل يفيد أن الرزق صالح للمخاطبين وبين المعنيين بون بعيد، فكان تقديم المجرور في الترتيب على مفعول الفعل على خلاف مقتضى الظاهر لأن حق المفعول أن يتقدم على غيره من متعلقات الفعل وإنما خولف الظاهر لهذه النكتة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٠٣) ↗