البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النساء · الآية ٧٣

﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم من أعدائهم الكافرين. وهذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب، التي بها يستعان على قتالهم، ويستدفع مكرهم وقوتهم، من استعمال الحصون والخنادق، وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات التي تعين على ذلك، وما به يعرف مداخلهم ومخارجهم، ومكرهم، والنفير في سبيل الله. ولهذا قال: { فانفروا ثبات } أي: متفرقين بأن تنفر سرية أو جيش، ويقيم غيرهم { أو انفروا جميعا } وكل هذا تبع للمصلحة والنكاية، والراحة للمسلمين في دينهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة [الأنفال: 60]. ثم أخبر عن ضعفاء الإيمان المتكاسلين عن الجهاد فقال: { وإن منكم } أي: أيها المؤمنون { لمن ليبطئن } أي: يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله، ضعفا، وخورا، وجبنا، هذا الصحيح. وقيل معناه: ليبطئن غيره أي: يزهده عن القتال، وهؤلاء هم المنافقون ولكن الأول أولى لوجهين: أحدهما: قوله { منكم } والخطاب للمؤمنين. والثاني: قوله في آخر الآية: { كأن لم تكن بينكم وبينه مودة } فإن الكفار من المشركين، والمنافقين، قد قطع الله بينهم وبين المؤمنين المودة. وأيضا فإن هذا هو الواقع، فإن المؤمنين على قسمين: صادقون في إيمانهم، أوجب لهم ذلك كمال التصديق والجهاد. وضعفاء دخلوا في الإسلام، فصار معهم إيمان ضعيف لا يقوى على الجهاد. كما قال تعالى: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا [الحجرات: 14] إلى آخر الآيات. ثم ذكر غايات هؤلاء المتثاقلين، ونهاية مقاصدهم، وأن معظم قصدهم الدنيا وحطامها فقال: { فإن أصبتكم مصيبة } أي: هزيمة، وقتل، وظفر الأعداء عليكم في بعض الأحوال، لما لله في ذلك من الحكم. { قال } ذلك المتخلف { قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا } رأى من ضعف عقله وإيمانه أن التقاعد عن الجهاد الذي فيه تلك المصيبة نعمة. ولم يدر أن النعمة الحقيقية هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة، التي بها يقوى الإيمان، ويسلم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

كأنه ليس من أهل دينكم {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه. وهو أكبر قصده وغاية مراده. ثم قال تعالى: {فليقاتل} أي: المؤمن النافر {في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} أي: يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، وما ذلك (1) إلا لكفرهم وعدم إيمانهم. ثم قال تعالى: {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} أي: كل من قاتل في سبيل الله -سواء قتل أو غلب وسلب-فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين (2) وتكفل الله للمجاهد في سبيله، إن (3) توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة. يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة (1) من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين بالمقام بها؛ ولهذا قال تعالى: {الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية} يعني: مكة، كقوله تعالى: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} [محمد: 13] . ثم وصفها بقوله: {الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا} أي: سخر لنا من عندك وليا وناصرا. قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن عبيد الله (2) قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن [أبي] (3) مليكة أن ابن عباس تلا {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل (4) . ثم قال تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} أي: المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه، والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٣٥٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

سبيل الله المنافق {كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز} [النساء: 73] بما أصيب معهم من الغنيمة {فوزا عظيما} [النساء: 73] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أن شهودهم الحرب مع المسلمين إن شهدوها لطلب الغنيمة، وإن تخلفوا عنها فللشك الذي

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٢٢١) ↗

التحرير والتنوير

73] يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) استئناف وانتقال إلى التحريض على الجهاد بمناسبة لطيفة، فإنه انتقل من طاعة الرسول إلى ذكر أشد التكاليف، ثم ذكر الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وكان الحال أدعى إلى التنويه بشأن الشهادة دون بقية الخلال المذكورة معها الممكنة النوال. وهذه الآية تشير لا محالة إلى تهيئة غزوة من غزوات المسلمين، وليس في كلام السلف ذكر سبب نزولها، ولا شك أنها لم تكن أول غزوة لأن غزوة بدر وقعت قبل نزول هذه السورة، وكذلك غزوة أحد التي نزلت فيها سورة آل عمران، وليست نازلة في غزوة الأحزاب لأن قوله: فانفروا ثبات يقتضي أنهم غازون لا مغزوون، ولعلها نزلت لمجرد التنبيه إلى قواعد الاستعداد لغزو العدو، والتحذير من العدو الكاشح، ومن العدو الكائد، ولعلها إعداد لغزوة الفتح، فإن هذه السورة نزلت في سنة ست، وكان فتح مكة في سنة ثمان، ولا شك أن تلك المدة كانت مدة اشتداد التألب من العرب كلهم لنصرة مشركي قريش والذب عن آلهتهم، ويدل لذلك قوله بعد وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين [النساء: 75] إلخ، وقوله: فإن كان لكم فتح من الله [النساء: 141] فإن اسم الفتح أريد به فتح مكة في مواضع كثيرة كقوله: فجعل من دون ذلك فتحا قريبا [الفتح: 27] . وابتدأ بالأمر بأخذ الحذر. وهي أكبر قواعد القتال لاتقاء خدع الأعداء. والحذر: هو توقي المكروه.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/١١٧) ↗