سورة النساء · الآية ٦٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس، والخروج من الديار، لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدا وشكرا لربه. ثم أخبر أنهم لو فعلوا ما يوعظون به، أي: ما وظف عليهم في كل وقت بحسبه، فبذلوا هممهم، ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله، ولم تطمح نفوسهم لما لم يصلوا إليه، ولم يكونوا بصدده، وهذا هو الذي ينبغي للعبد، أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط. ثم رتب ما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به، وهو أربعة أمور: أحدها الخيرية في قوله: { لكان خيرا لهم } أي: لكانوا من الأخيار المتصفين بأوصافهم، من أفعال الخير، التي أمروا بها، أي: وانتفى عنهم بذلك صفة الأشرار، لأن ثبوت الشيء يستلزم نفي ضده. الثاني حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإن الله يثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان، الذي هو القيام بما وعظوا به، فيثبتهم في الحياة الدنيا، عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، فيحصل لهم ثبات يوفقون لفعل الأوامر وترك الزواجر، التي تقتضي النفس فعلها، وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد. فيوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا أو للشكر. فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك، ويحصل له الثبات على الدين، عند الموت وفي القبر. وأيضا فإن العبد القائم بما أمر به، لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها، ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم [أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم] (2) } الآية، أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى عبد الله بن رواحة، فقال: "لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل" يعني: ابن رواحة. ولهذا قال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} أي: ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به، وتركوا ما ينهون عنه {لكان خيرا لهم} أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي {وأشد تثبيتا} قال السدي: أي: وأشد تصديقا. {وإذا لآتيناهم من لدنا} أي: من عندنا، {أجرا عظيما} يعني: الجنة. {ولهديناهم صراطا مستقيما} أي في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} أي: من عمل بما أمره الله ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم. ثم أثنى عليهم تعالى فقال: {وحسن أولئك رفيقا} وقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة" وكان في شكواه التي قبض فيه، فأخذته بحة شديدة فسمعته يقول: {مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} فعلمت أنه خير. وكذا رواه مسلم من حديث شعبة، عن سعد (3) بن إبراهيم به (4) . وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: "اللهم في الرفيق الأعلى" ثلاثا ثم قضى، عليه أفضل الصلاة والتسليم (5) . ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة: قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٢٠٩) ↗التحرير والتنوير
في الرسول، فإنهم وصفوه بالأنصاري وهو وصف لخيرة من المؤمنين، وما وصفوه بالمنافق، ولكنه جهل وغفل فعفا عنه رسول الله ولم يستتبه. وهذه القضية ترجع إلى النظر في التكفير بلازم القول والفعل، وفيها تفصيل حسن لابن رشد في البيان والتحصيل في كتاب «الجنائز» وكتاب «المرتدين» . خلاصته: أنه لا بد من تنبيه من يصدر منه مثل هذا على ما يلزم قوله من لازم الكفر فإن التزمه ولم يرجع عد كافرا، لأن المرء قد يغفل عن دلالة الالتزام، ويؤخذ هذا على هذا الوجه في سبب النزول من أسلوب الآية لقوله: لا يؤمنون- إلى قوله- تسليما فنبه الأنصاري بأنه قد التبس بحالة تنافي الإيمان في خفاء إن استمر عليها بعد التنبيه على عاقبتها لم يكن مؤمنا. والأنصاري، قيل: هو غير معروف، وحبذا إخفاؤه، وقيل: هو ثعلبة بن حاطب، ووقع في «الكشاف» أنه حاطب بن أبي بلتعة، وهو سهو من مؤلفه، وقيل: ثابت بن قيس بن شماس، وعلى هذه الرواية في سبب النزول يكون معنى قوله: لا يؤمنون أنه لا يستمر إيمانهم. والظاهر عندي أن الحادثتين وقعتا في زمن متقارب ونزلت الآية في شأن حادثة بشر المنافق فظنها الزبير نزلت في حادثته مع الأنصاري. [66- 68] 68] ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68) لم يظهر وجه اتصاله بما قبله ليعطف عليه، لأن ما ذكر هنا ليس أولى بالحكم من المذكور قبله، أي ليس أولى بالامتثال حتى يقال: لو أنا كلفناهم بالرضا بما هو دون قطع الحقوق لما رضوا، بل المفروض هنا أشد على النفوس مما عصوا فيه. فقال جماعة من المفسرين: وجه اتصالها أن المنافق لما لم يرض بحكم النبيء صلى الله عليه وسلم وأراد التحاكم إلى الطاغوت، وقالت اليهود: ما أسخف هؤلاء يؤمنون بمحمد ثم لا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/١١٣) ↗