البيانابحثاسألالموضوعات

سورة النساء · الآية ٥٠

﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا تعجيب من الله لعباده، وتوبيخ للذين يزكون أنفسهم من اليهود والنصارى، ومن نحا نحوهم، من كل من زكى نفسه، بأمر ليس فيه. وذلك أن اليهود والنصارى يقولون: نحن أبنؤا الله وأحبؤه [المائدة: 18] ويقولون: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى [البقرة: 111] وهذا مجرد دعوى لا برهان عليها، وإنما البرهان ما أخبر به في القرآن في قوله: بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 112 ] فهؤلاء هم الذين زكاهم الله، ولهذا قال هنا: { بل الله يزكي من يشآء } أي: بالإيمان والعمل الصالح، بالتخلي عن الأخلاق الرذيلة، والتحلي بالصفات الجميلة. وأما هؤلاء فهم - وإن زكوا أنفسهم بزعمهم أنهم على شيء، وأن الثواب لهم وحدهم - فإنهم كذبة في ذلك، ليس لهم من خصال الزاكين نصيب، بسبب ظلمهم وكفرهم، لا بظلم من الله لهم، ولهذا قال: { ولا يظلمون فتيلا }. وهذا لتحقيق العموم، أي: لا يظلمون شيئا، ولا مقدار الفتيل الذي في شق النواة، أو الذي يفتل من وسخ اليد وغيرها. قال تعالى: { انظر كيف يفترون على الله الكذب } أي: بتزكيتهم أنفسهم، لأن هذا من أعظم الافتراء على الله. لأن مضمون تزكيتهم لأنفسهم، الإخبار بأن الله جعل ما هم عليه حقا، وما عليه المؤمنون المسلمون باطلا. وهذا أعظم الكذب وقلب الحقائق بجعل الحق باطلا، والباطل حقا. ولهذا قال: { وكفى به إثما مبينا } أي: ظاهرا بينا، موجبا للعقوبة البليغة والعذاب الأليم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ٤٩–٥٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية، وهي قوله: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} في اليهود والنصارى، حين قالوا: {نحن أبناء الله وأحباؤه} وقال ابن زيد: نزلت في قولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة:18] ، وفي قولهم: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة:111] . وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم، ويزعمون أنهم لا ذنب لهم (1) . وكذا قال عكرمة، وأبو مالك. روى ذلك ابن جرير. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله على محمد [صلى الله عليه وسلم] (2) {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا} (3) رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا ابن حمير، عن ابن لهيعة، عن بشر بن أبي عمرو (4) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب. وكذبوا. قال (5) الله [تعالى] (6) إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له" وأنزل الله: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} ثم قال: وروي عن مجاهد، وأبي مالك، والسدي، وعكرمة، والضحاك -نحو ذلك. وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب، كما ليس لأبنائنا ذنوب. فأنزل الله ذلك فيهم. وقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية. وقد جاء في الحديث الصحيح عند (7) مسلم، عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب (8) . وفي الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من طريق خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يثني على رجل، فقال: "ويحك. قطعت عنق صاحبك". ثم قال: "إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا ولا يزكي على الله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

أنه لا ذنوب لهم الكذب والزور من القول، فيختلقونه على الله. {وكفى به} [النساء: 50] يقول: " وحسبهم بقيلهم ذلك الكذب والزور على الله {إثما مبينا} [النساء: 50] PageEndV07P134 يعني: " أنه يبين كذبهم لسامعيه، ويوضح لهم أنهم أفكة فجرة. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} [النساء: 49] قال: " هم اليهود والنصارى {انظر كيف يفترون على الله الكذب} [النساء: 50] "

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/١٣٤) ↗

التحرير والتنوير

وقال المعتزلة والخوارج: هو في النار خالدا بالوجوب العقلي. وقال المرجئة: لا يعاقب بحال، وكل هاته الأقسام داخل في إجمال لمن يشاء. وقوله: ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما زيادة في تشنيع حال الشرك. والافتراء: الكذب الذي لا شبهة للكاذب فيه. لأنه مشتق من القرى، وهو قطع الجلد. وهذا مثل ما أطلقوا عليه لفظ الاختلاق من الخلق. وهو قطع الجلد، وتقدم عند قوله تعالى: قال كذلك الله يخلق ما يشاء في سورة آل عمران. والإثم العظيم: الفاحشة الشديدة. [49، 50] 50] ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا (49) انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) تعجيب من حال اليهود إذ يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: 18] وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا [البقرة: 111] ونحو ذلك من إدلالهم الكاذب. وقوله: بل الله يزكي من يشاء إبطال لمعتقدهم بإثبات ضده، وهو أن التزكية شهادة من الله، ولا ينفع أحدا أن يزكي نفسه. وفي تصدير الجملة ب (بل) تصريح بإبطال تزكيتهم. وأن الذين زكوا أنفسهم لا حظ لهم في تزكية الله، وأنهم ليسوا ممن يشاء الله تزكيته، ولو لم يذكر (بل) فقيل والله يزكي من يشاء لكان لهم مطمع أن يكونوا ممن زكاه الله تعالى. ومعنى ولا يظلمون فتيلا أي أن الله لم يحرمهم ما هم به أحرياء، وأن تزكية الله غيرهم لا تعد ظلما لهم لأن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل ولا يظلم أحدا. والفتيل: شبه خيط في شق نواة التمرة. وقد شاع استعارته للقلة إذ هو لا ينتفع به ولا له مرأى واضح.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٨٤) ↗