سورة النساء · الآية ٤١
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن كمال عدله وفضله، وتنزهه عما يضاد ذلك من الظلم القليل والكثير، فقال: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } أي: ينقصها من حسنات عبده، أو يزيدها في سيئاته، كما قال تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة: 7-8]. { وإن تك حسنة يضعفها } أي: إلى عشرة أمثالها، إلى أكثر من ذلك، بحسب حالها ونفعها، وحال صاحبها، إخلاصا ومحبة وكمالا. { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } أي زيادة على ثواب العمل بنفسه، من التوفيق لأعمال أخر، وإعطاء البر الكثير والخير الغزير. ثم قال تعالى { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } أي: كيف تكون تلك الأحوال، وكيف يكون ذلك الحكم العظيم، الذي جمع أن من حكم به كامل العلم كامل العدل، كامل الحكمة، بشهادة أزكى الخلق، وهم الرسل على أممهم، مع إقرار المحكوم عليه؟!! فهذا - والله - الحكم الذي هو أعم الأحكام وأعدلها وأعظمها. وهناك يبقى المحكوم عليهم مقرين له لكمال الفضل والعدل، والحمد والثناء. وهناك يسعد أقوام بالفوز والفلاح والعز والنجاح. ويشقى أقوام بالخزي والفضيحة والعذاب المهين. ولهذا قال { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول } أي: جمعوا بين الكفر بالله وبرسوله ومعصية الرسول { لو تسوى بهم الأرض } أي تبتلعهم ويكونون ترابا وعدما، كما قال تعالى: ويقول الكافر يليتني كنت ترابا [النبأ: 40]. { ولا يكتمون الله حديثا } أي بل يقرون له بما عملوا، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله جزاءهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين. فأما ما ورد من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم، فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة، حين يظنون أن جحودهم مغن عنهم من عذاب الله فإذا عرفوا الحقائق، وشهدت عليهم جوارحهم، حينئذ ينجلي الأمر، ولا يبقى للكتمان موضع، ولا نفع ولا فائدة.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ٤٠–٤٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أخيها أو زوجها. ثم قرأ: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون:101] فيغفر الله من حقه ما يشاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصب للناس فينادي: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فيقول: رب، فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم؟ قال: خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر طلبته فإن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة، ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} قال: ادخل الجنة؛ وإن كان عبدا شقيا قال الملك: رب فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير؟ فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار. ورواه ابن جرير من وجه آخر، عن زاذان -به نحوه. ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثتا أبو نعيم، حدثنا فضيل -يعني ابن مرزوق-عن عطية العوفي، حدثني عبد الله بن عمر قال: نزلت هذه الآية في الأعراب: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] قال رجل: فما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ما هو أفضل من ذلك: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} . وحدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله {وإن تك حسنة يضاعفها} فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة، ولا يخرج من النار أبدا. وقد استدل له بالحديث الصحيح أن العباس قال: يا رسول الله، إن أبا طالب (1) كان يحوطك وينصرك فهل نفعته بشيء؟ قال: "نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (2) . وقد يكون هذا خاصا بأبي طالب من دون الكفار، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في سننه (3) حدثنا عمران، حدثنا قتادة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
… يعني: عوضا من حسنته عظيما. وذلك العوض العظيم: الجنة؛ كما: حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا صدقة بن أبي سهل , قال: ثنا أبو عمرو، عن زاذان، عن ابن مسعود: {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] أي الجنة يعطها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عباد بن أبي صالح، عن سعيد بن جبير، قوله: {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] قال: " الأجر العظيم: الجنة " حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] قال: " أجرا عظيما: الجنة " {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد PageEndV07P038 وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله لا يظلم عباده مثقال ذرة، فكيف بهم {إذا جئنا من كل أمة بشهيد} [النساء: 41] يعني: " بمن يشهد عليها بأعمالها، وتصديقها رسلها، أو تكذيبها {وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] يقول: " وجئنا بك يا محمد على هؤلاء: أي على أمتك شهيدا، يقول: شاهدا. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] قال: " إن النبيين يأتون يوم القيامة، منهم من أسلم معه من قومه الواحد والاثنان والعشرة وأقل وأكثر من ذلك، حتى يؤتى بقوم لوط صلى الله عليه وسلم لم يؤمن معه إلا ابنتاه، فيقال لهم: هل بلغتم ما أرسلتم به؟ فيقولون: نعم، فيقال: من يشهد؟ فيقولون أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقال لهم: أتشهدون أن الرسل أودعوا عندكم شهادة، فبم تشهدون؟ فيقولون: ربنا نشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا بالتبليغ. فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد صلى الله عليه وسلم. فيدعى محمد عليه الصلاة والسلام، فيشهد أن أمته قد صدقوا، وأن الرسل قد بلغوا. فذلك قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
والمضاعفة إضافة الضعف- بكسر الصاد- أي المثل، يقال: ضاعف وضعف وأضعف، وهي بمعنى واحد على التحقيق عند أئمة اللغة، مثل أبي علي الفارسي. وقال أبو عبيدة ضاعف يقتضي أكثر من ضعف واحد وضعف يقتضي ضعفين. ورد بقوله تعالى: يضاعف لها العذاب ضعفين [الأحزاب: 30] . وأما دلالة إحدى الصيغ الثلاث على مقدار التضعيف فيؤخذ من القرائن لحكمة الصيغة. وقرأ الجمهور: يضاعفها، وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر: يضاعفها- بدون ألف بعد العين وبتشديد العين-. والأجر العظيم ما يزاد على الضعف، ولذلك أضافه الله تعالى إلى ضمير الجلالة، فقال: من لدنه إضافة تشريف. وسماه أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح، وقد روي أن هذا نزل في ثواب الهجرة. [41، 42] فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) الفاء يجوز أن تكون فاء فصيحة تدل على شرط مقدر نشأ عن الوعيد في قوله: وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا [النساء: 37] وقوله: فساء قرينا [النساء: 38] وعن التوبيخ في قوله: وماذا عليهم [النساء: 39] وعن الوعد في قوله: إن الله لا يظلم مثقال ذرة [النساء: 40] الآية، والتقدير: إذا أيقنت بذلك فكيف حال كل أولئك إذا جاء الشهداء وظهر موجب الشهادة على العمل الصالح وعلى العمل السيء، وعلى هذا فليس ضمير (بك) إضمارا في مقام الإظهار، ويجوز أن تكون الفاء للتفريع على قوله: إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها [النساء: 40] ، أي يتفرع عن ذلك سؤال عن حال الناس إذا جئنا من كل أمة بشهيد فالناس بين مستبشر ومتحسر، وعلى هذا فضمير بك واقع موقع الاسم الظاهر لأن مقتضى هذا أن يكون الكلام مسوقا لجميع الأمة، فيقتضي أن يقال: وجئنا بالرسول عليهم شهيدا، فعدل إلى الخطاب تشريفا للرسول صلى الله عليه وسلم بعز الحضور والإقبال عليه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٥٦) ↗