البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة النساء · الآية ٣٠

﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل أكلها بالغصوب والسرقات، وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة. بل لعله يدخل في ذلك أكل مال نفسك على وجه البطر والإسراف، لأن هذا من الباطل وليس من الحق. ثم إنه - لما حرم أكلها بالباطل - أباح لهم أكلها بالتجارات والمكاسب الخالية من الموانع، المشتملة على الشروط من التراضي وغيره. { ولا تقتلوا أنفسكم } أي: لا يقتل بعضكم بعضا، ولا يقتل الإنسان نفسه. ويدخل في ذلك الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وفعل الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك. { إن الله كان بكم رحيما } ومن رحمته، أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ذلك ما رتبه من الحدود. وتأمل هذا الإيجاز والجمع في قوله: { لا تأكلوا أمولكم } { ولا تقتلوا أنفسكم } كيف شمل أموال غيرك ومال نفسك وقتل نفسك وقتل غيرك، بعبارة أخصر من قوله: " لا يأكل بعضكم مال بعض " و " لا يقتل بعضكم بعضا " مع قصور هذه العبارة على مال الغير، ونفس الغير فقط. مع أن إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين فيه دلالة على أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ومصالحهم، كالجسد الواحد، حيث كان الإيمان يجمعهم على مصالحهم الدينية والدنيوية. ولما نهى عن أكل الأموال بالباطل التي فيها غاية الضرر عليهم، على الآكل، ومن أخذ ماله، أباح لهم ما فيه مصلحتهم من أنواع المكاسب والتجارات، وأنواع الحرف والإجارات، فقال: { إلا أن تكون تجرة عن تراض منكم } أي: فإنها مباحة لكم. وشرط التراضي - مع كونها تجارة - لدلالة أنه يشترط أن يكون العقد غير عقد ربا، لأن الربا ليس من التجارة، بل مخالف لمقصودها، وأنه لا بد أن يرضى كل من المتعاقدين ويأتي به اختيارا. ومن تمام الرضا أن يكون المعقود عليه معلوما، لأنه إذا لم يكن كذلك لا يتصور الرضا مقدورا على تسليمه، لأن غير المقدور عليه شبيه ببيع القمار، فبيع الغرر بجميع أنواعه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي [رحمه الله] (1) على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول؛ لأنه يدل على التراضي نصا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولا بد، وخالف (2) الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا، فصححوا بيع المعاطاة مطلقا، ومنهم من قال: يصح في المحقرات، وفيما يعده الناس بيعا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم. قال مجاهد: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} بيعا (3) أو عطاء يعطيه أحد أحدا. ورواه ابن جرير [ثم] (4) قال: وحدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن القاسم، عن (5) سليمان الجعفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغش (6) مسلما". هذا حديث مرسل (7) . ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وفي لفظ البخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا" (8) . وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الشافعي، وأحمد [بن حنبل] (9) وأصحابهما، وجمهور السلف والخلف. ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، [كما هو متفق عليه بين العلماء إلى ما هو أزيد من ثلاثة أيام] (10) بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك، رحمه الله. وصححوا (11) بيع المعاطاة مطلقا، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب. وقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي: بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل {إن الله كان بكم رحيما} أي: فيما أمركم به، ونهاكم عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن (12) بن موسى، حدثنا ابن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

[النساء: 30]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٦٣٨) ↗

التحرير والتنوير

[29، 30] يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم. استئناف من التشريع المقصود من هذه السورة. وعلامة الاستئناف افتتاحه ب يا أيها الذين آمنوا، ومناسبته لما قبله أن أحكام المواريث والنكاح اشتملت على أوامر بإيتاء ذي الحق في المال حقه، كقوله: وآتوا اليتامى أموالهم [النساء: 2] وقوله: فآتوهن أجورهن فريضة [النساء: 24] وقوله: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا [النساء: 4] الآية، فانتقل من ذلك إلى تشريع عام في الأموال والأنفس. وقد تقدم أن الأكل مجاز في الانتفاع بالشيء انتفاعا تاما، لا يعود معه إلى الغير، فأكل الأموال هو الاستيلاء عليها بنية عدم إرجاعها لأربابها، وغالب هذا المعنى أن يكون استيلاء ظلم، وهو مجاز صار كالحقيقة. وقد يطلق على الانتفاع المأذون فيه كقوله تعالى: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا [النساء: 4] وقوله: ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف [النساء: 6] ، ولذلك غلب تقييد المنهي عنه من ذلك بقيد بالباطل ونحوه. والضمير المرفوع ب (تأكلوا) ، والضمير المضاف إليه أموال: راجعان إلى الذين آمنوا، وظاهر أن المرء لا ينهى عن أكل مال نفسه، ولا يسمى انتفاعه بماله أكلا، فالمعنى: لا يأكل بعضهم مال بعض. والباطل ضد الحق، وهو ما لم يشرعه الله ولا كان عن إذن ربه، والباء فيه للملابسة. والاستثناء في قوله: إلا أن تكون تجارة منقطع، لأن التجارة ليست من أكل الأموال بالباطل، فالمعنى: لكن كون التجارة غير منهي عنه. وموقع المنقطع هنا بين جار على الطريقة العربية، إذ ليس يلزم في الاستدراك شمول الكلام السابق للشيء المستدرك ولا يفيد الاستدراك حصرا، ولذلك فهو مقتضى …

أكمل القراءة في الكتاب ↗