سورة النساء · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وقوله تعالى: { وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } هذا أول ما أوصى به من حقوق الخلق في هذه السورة. وهم اليتامى الذين فقدوا آباءهم الكافلين لهم، وهم صغار ضعاف لا يقومون بمصالحهم. فأمر الرؤوف الرحيم عباده أن يحسنوا إليهم، وأن لا يقربوا أموالهم إلا بالتي هي أحسن، وأن يؤتوهم أموالهم إذا بلغوا ورشدوا، كاملة موفرة، وأن لا { تتبدلوا الخبيث } الذي هو أكل مال اليتيم بغير حق. { بالطيب } وهو الحلال الذي ما فيه حرج ولا تبعة. { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } أي: مع أموالكم، ففيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، التي قد استغنى بها الإنسان بما جعل الله له من الرزق في ماله. فمن تجرأ على هذه الحالة، فقد أتى { حوبا كبيرا } أي: إثما عظيما، ووزرا جسيما. ومن استبدال الخبيث بالطيب أن يأخذ الولي من مال اليتيم النفيس، ويجعل بدله من ماله الخسيس. وفيه الولاية على اليتيم، لأن من لازم إيتاء اليتيم ماله، ثبوت ولاية المؤتي على ماله. وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم، لأن تمام إيتائه ماله حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه، وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {إنه كان حوبا كبيرا} قال ابن عباس: أي إثما كبيرا عظيما. وقد رواه ابن مردويه، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {حوبا كبيرا} قال: "إثما كبيرا". ولكن في إسناده محمد بن يونس الكديمي وهو ضعيف (1) وهكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وأبي مالك، وزيد بن أسلم، وأبي سنان مثل قول ابن عباس. وفي الحديث المروي في سنن أبي داود: "اغفر لنا حوبنا وخطايانا". وروى ابن مردويه بإسناده إلى واصل، مولى أبي عيينة، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس: أن أبا أيوب طلق امرأته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا أيوب، إن طلاق أم أيوب كان حوبا" قال (2) ابن سيرين: الحوب الإثم (3) . ثم قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا بشر بن موسى، أخبرنا هوذة بن خليفة، أخبرنا عوف، عن أنس: أن أبا أيوب أراد طلاق أم أيوب، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن طلاق أم أيوب لحوب فأمسكها" (4) ثم رواه (5) ابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث علي بن عاصم، عن حميد الطويل، سمعت أنس بن مالك يقول: أراد أبو طلحة أن يطلق أم سليم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن طلاق أم سليم لحوب" فكف (6) . والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه. وقوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى} أي: إذا كان (7) تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق. وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه: {وإن خفتم ألا تقسطوا [في اليتامى] (8) } أحسبه قال: كانت
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٢٠٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
منهم الرشد {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} [النساء: 2] يقول: ولا تستبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم الحلال لكم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٣٥١) ↗التحرير والتنوير
… بدون إعادة الجار، فتكون تعريضا بعوائد الجاهلية، إذ يتساءلون بينهم بالرحم وأواصر القرابة ثم يهملون حقوقها ولا يصلونها، ويعتدون على الأيتام من إخوتهم وأبناء أعمامهم، فناقضت أفعالهم أقوالهم، وأيضا هم قد آذوا النبيء صلى الله عليه وسلم وظلموه، وهو من ذوي رحمهم وأحق الناس بصلتهم كما قال تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم [التوبة: 128] وقال: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم [آل عمران: 164] . وقال: قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى [الشورى: 23] . وعلى قراءة حمزة يكون معنى الآية تتمة لمعنى التي قبلها. [2] 2] وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) مناسبة عطف الأمر على ما قبله أنه من فروع تقوى الله في حقوق الأرحام، لأن المتصرفين في أموال اليتامى في غالب الأحوال هم أهل قرابتهم، أو من فروع تقوى الله الذي يتساءلون به وبالأرحام فيجعلون للأرحام من الحظ ما جعلهم يقسمون بها كما يقسمون بالله. وشيء هذا شأنه حقيق بأن تراعى أواصره ووشائجه وهم لم يرقبوا ذلك. وهذا مما أشار إليه قوله تعالى: وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ... [النساء: 1] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٢١٨) ↗