البيانابحثاسألالموضوعات

سورة النساء · الآية ١٦٩

﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما أخبر عن رسالة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وأخبر برسالة خاتمهم محمد، وشهد بها وشهدت ملائكته - لزم من ذلك، ثبوت الأمر المقرر والمشهود به، فوجب تصديقهم، والإيمان بهم واتباعهم. ثم توعد من كفر بهم فقال: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } أي: جمعوا بين الكفر بأنفسهم، وصدهم الناس عن سبيل الله. وهؤلاء هم أئمة الكفر ودعاة الضلال { قد ضلوا ضللا بعيدا } وأي ضلال أعظم من ضلال من ضل بنفسه وأضل غيره، فباء بالإثمين ورجع بالخسارتين، وفاتته الهدايتان، ولهذا قال: { إن الذين كفروا وظلموا } وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم، وإلا فالكفر عند إطلاق الظلم يدخل فيه. والمراد بالظلم هنا أعمال الكفر والاستغراق فيه، فهؤلاء بعيدون من المغفرة والهداية للصراط المستقيم. ولهذا قال: { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم }. وإنما تعذرت المغفرة لهم والهداية، لأنهم استمروا في طغيانهم وازدادوا في كفرانهم فطبع على قلوبهم وانسدت عليهم طرق الهداية بما كسبوا وما ربك بظلم للعبيد [فصلت: 46]. { وكان ذلك على الله يسيرا } أي: لا يبالي الله بهم ولا يعبأ، لأنهم لا يصلحون للخير، ولا يليق بهم إلا الحالة التي اختاروها لأنفسهم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ١٦٧–١٦٩) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

لما تضمن قوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} إلى آخر السياق، إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم (1) والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وهو: القرآن العظيم الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 42] ؛ ولهذا قال: {أنزله بعلمه} أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى والفرقان وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة، التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب، إلا أن يعلمه الله به، كما قال [تعالى] (2) {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255] ، وقال {ولا يحيطون به علما} [طه: 110] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسن بن سهل الجعفري وخزز بن المبارك قالا حدثنا عمران بن عيينة، حدثنا عطاء بن السائب قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم يقرأ: {أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} وقوله {والملائكة يشهدون} أي: بصدق ما جاءك وأوحي إليك وأنزل عليك، مع شهادة الله تعالى لك بذلك {وكفى بالله شهيدا} وقد قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود، فقال لهم: "إني لأعلم -والله-إنكم لتعلمون أني رسول الله". فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله عز وجل: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه [والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا] (3) } . وقوله: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الكفر، على علم منهم بظلمهم عباد الله، وحسدا للعرب، وبغيا على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، {لم يكن الله ليغفر لهم} [النساء: 137] يعني: لم يكن الله ليعفو عن ذنوبهم بتركه عقوبتهم عليها، ولكنه يفضحهم بها بعقوبته إياهم عليها. {ولا ليهديهم طريقا} [النساء: 168] يقول: " ولم يكن الله تعالى ذكره ليهدي هؤلاء الذين كفروا وظلموا، الذين وصفنا صفتهم، فيوفقهم لطريق من الطرق التي ينالون بها ثواب الله، ويصلون بلزومهم إياه إلى الجنة , ولكنه يخذلهم عن ذلك، حتى يسلكوا طريق جهنم، وإنما كنى بذكر الطريق عن الدين؛ وإنما معنى الكلام: لم يكن الله ليوفقهم للإسلام، ولكنه يخذلهم عنه إلى طريق جهنم، وهو الكفر، يعني: حتى يكفروا بالله ورسله فيدخلوا جهنم خالدين فيها أبدا يقول:

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٦٩٦) ↗

التحرير والتنوير

إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) الجملة بيان لجملة قد ضلوا ضلالا بعيدا [النساء: 167] ، لأن السامع يترقب معرفة جزاء هذا الضلال قبينته هذه الجملة. وإعادة الموصول وصلته دون أن يذكر ضميرهم لتبنى عليه صلة وظلموا، ولأن في تكرير الصلة تنديدا عليهم. ويجيء على الوجهين في المراد من الذين كفروا في الآية التي قبلها أن يكون عطف الظلم على الكفر في قوله: إن الذين كفروا وظلموا إما أن يراد به ظلم النفس، وظلم النبيء والمسلمين، وذلك اللائق بأهل الكتاب وإما أن يراد به الشرك، كما هو شائع في استعمال القرآن كقوله: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] ، فيكون من عطف الأخص على الأعم في الأنواع وإما أن يراد به التعدي على الناس، كظلمهم النبيء صلى الله عليه وسلم بإخراجه من أرضه، وتأليب الناس عليه، وغير ذلك، وظلمهم المؤمنين بتعذيبهم في الله، وإخراجهم، ومصادرتهم في أموالهم، ومعاملتهم بالنفاق والسخرية والخداع وإما أن يراد به ارتكاب المفاسد والجرائم مما استقر عند أهل العقول أنه ظلم وعدوان. وقوله: لم يكن الله ليغفر لهم صيغة جحود، وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب في سورة آل عمران [79] ، فهي تقتضي تحقيق النفي، وقد نفي عن الله أن يغفر لهم تحذيرا من البقاء على الكفر والظلم، لأن هذا الحكم نيط بالوصف ولم ينط بأشخاص معروفين، فإن هم أقلعوا عن الكفر والظلم لم يكونوا من الذين كفروا وظلموا. ومعنى نفي أن يهديهم طريقا: إن كان طريقا يوم القيامة فهو واضح: أي لا يهديهم طريقا بوصلهم إلى مكان إلا طريقا يوصل إلى جهنم. ويجوز أن يراد من الطريق الآيات في الدنيا، كقوله: اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6] . فنفي هديهم إليه

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٤٧) ↗