سورة النساء · الآية ١٦٠
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا السؤال الصادر من أهل الكتاب للرسول محمد صلى الله عليه وسلم على وجه العناد والاقتراح، وجعلهم هذا السؤال يتوقف عليه تصديقهم أو تكذيبهم. وهو أنهم سألوه أن ينزل عليهم القرآن جملة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل، وهذا غاية الظلم منهم والجهل، فإن الرسول بشر عبد مدبر، ليس في يده من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهو الذي يرسل وينزل ما يشاء على عباده، كما قال تعالى عن الرسول، لما ذكر الآيات التي فيها اقتراح المشركين على محمد صلى الله عليه وسلم، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا [الإسراء: 93]. وكذلك جعلهم الفارق بين الحق والباطل مجرد إنزال الكتاب جملة أو مفرقا، مجرد دعوى لا دليل عليها، ولا مناسبة، بل ولا شبهة، فمن أين يوجد في نبوة أحد من الأنبياء أن الرسول الذي يأتيكم بكتاب نزل مفرقا فلا تؤمنوا به ولا تصدقوه؟ بل نزول هذا القرآن مفرقا بحسب الأحوال، مما يدل على عظمته واعتناء الله بمن أنزل عليه، كما قال تعالى: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا * ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [الفرقان: 32-33]. فلما ذكر اعتراضهم الفاسد أخبر أنه ليس بغريب من أمرهم، بل سبق لهم من المقدمات القبيحة ما هو أعظم مما سلكوه مع الرسول الذي يزعمون أنهم آمنوا به، من سؤالهم له رؤية الله عيانا، واتخاذهم العجل إلها يعبدونه، من بعد ما رأوا من الآيات بأبصارهم ما لم يره غيرهم. ومن امتناعهم من قبول أحكام كتابهم وهو التوراة، حتى رفع الطور من فوق رؤوسهم، وهددوا أنهم إن لم يؤمنوا أسقط عليهم، فقبلوا ذلك على وجه الإغماض، والإيمان الشبيه بالإيمان الضروري. ومن امتناعهم من دخول أبواب القرية التي أمروا بدخولها سجدا مستغفرين، فخالفوا القول والفعل. ومن اعتداء من اعتدى منهم في السبت، فعاقبهم الله تلك العقوبة الشنيعة. وبأخذ الميثاق الغليظ عليهم، فنبذوه وراء ظهورهم، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال تعالى: {لكن الراسخون في العلم منهم} أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع. وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران. {والمؤمنون} عطف على الراسخين، وخبره {يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} قال ابن عباس: أنزلت في عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية. وأسد وزيد بن سعية وأسد بن عبيد، الذين دخلوا في الإسلام، وصدقوا بما أرسل الله به محمدا صلى الله عليه وسلم. وقوله: {والمقيمين الصلاة} هكذا هو في جميع المصاحف الأئمة، وكذا هو في مصحف أبي بن كعب. وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود: "والمقيمون الصلاة"، قال: والصحيح قراءة الجميع. ثم رد على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب (1) ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم: هو منصوب على المدح، كما جاء في قوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا} [البقرة: 177] ، قالوا: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الشاعر (2) : لا يبعدن قومي الذين همو %~% سم (3) العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك %~% والطيبون معاقد الأزر وقال آخرون: هو مخفوض عطفا على قوله: {بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} يعني: وبالمقيمين الصلاة. وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة، وهذا اختيار ابن جرير، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالملائكة. وفي هذا نظر والله أعلم. وقوله: {والمؤتون الزكاة} يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين، والله أعلم. {والمؤمنون بالله واليوم الآخر} أي: يصدقون بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها. وقوله: {أولئك} هو الخبر عما تقدم {سنؤتيهم أجرا عظيما} يعني: الجنة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٤٦٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
واثقوا ربهم، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءهم، وقالوا البهتان على مريم، وفعلوا ما وصفهم الله في كتابه طيبات من المآكل وغيرها كانت لهم حلالا، عقوبة لهم بظلمهم الذي أخبر الله عنهم في كتابه. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 160] الآية، عوقب القوم PageEndV07P677 بظلم ظلموه وبغي بغوه حرمت عليهم أشياء ببغيهم وبظلمهم " وقوله: {وبصدهم عن سبيل الله كثيرا} [النساء: 160] يعني: وبصدهم عباد الله عن دينه وسبله التي شرعها لعباده صدا كثيرا، وكان صدهم عن سبيل الله بقولهم على الله الباطل، وادعائهم أن ذلك عن الله، وتبديلهم كتاب الله وتحريف معانيه عن وجوهه، وكان من عظيم ذلك جحودهم نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتركهم بيان ما قد علموا من أمره لمن جهل أمره من الناس. وبنحو ذلك كان مجاهد يقول حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وبصدهم عن سبيل الله، كثيرا} [النساء: 160] قال: «أنفسهم وغيرهم عن الحق» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة , قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. وقوله: {وأخذهم الربا} [النساء: 161] وهو أخذهم ما أفضلوا على رءوس أموالهم لفضل تأخير في الأجل بعد محلها. وقد بينت معنى الربا فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته {وقد نهوا عنه} [النساء: 161] يعني عن أخذ الربا. PageEndV07P678 وقوله: {وأكلهم أموال الناس بالباطل} [النساء: 161] يعني: ما كانوا يأخذون من الرشا على الحكم، كما وصفهم الله به في قوله: {وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون} [المائدة: 62] وكان من أكلهم أموال الناس بالباطل ما كانوا يأخذون من أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله، وما أشبه ذلك من المآكل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
والظاهر أن الله يقذف في نفوس أهل الكتابين الشك في صحة الصلب، فلا يزال الشك يخالج قلوبهم ويقوى حتى يبلغ مبلغ العلم بعدم صحة الصلب في آخر أعمارهم تصديقا لما جاء به النبيء صلى الله عليه وسلم حيث كذب أخبارهم فنفى الصلب عن عيسى- عليه السلام-. وقيل: الضمير في قوله موته عائد إلى عيسى، أي قبل موت عيسى، ففرع القائلون بهذا تفاريع: منها أن موته لا يقع إلا آخر الدنيا ليتم إيمان جميع أهل الكتاب به قبل وقوع الموت، لأن الله جعل إيمانهم مستقبلا وجعله قبل موته، فلزم أن يكون موته مستقبلا ومنها ما ورد في الحديث: أن عيسى- عليه السلام- ينزل في آخر مدة الدنيا ليؤمن به أهل الكتاب ، ولا يخفى أن عموم قوله: وإن من أهل الكتاب يبطل هذا التفسير: لأن الذين يؤمنون به- على حسب هذا التأويل- هم الذين سيوجدون من أهل الكتاب لا جميعهم. والشهيد: الشاهد يشهد بأنه بلغ لهم دعوة ربهم فأعرضوا، وبأن النصارى بدلوا، ومعنى الآية مفصل في قوله تعالى: يوم يجمع الله الرسل الآيات في سورة العقود [109] . [160- 162] 162] فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما (161) لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٥) ↗