البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النساء · الآية ١٥١

﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هنا قسمان قد وضحا لكل أحد: مؤمن بالله وبرسله كلهم وكتبه، وكافر بذلك كله. وبقي قسم ثالث: وهو الذي يزعم أنه يؤمن ببعض الرسل دون بعض، وأن هذا سبيل ينجيه من عذاب الله، إن هذا إلا مجرد أماني. فإن هؤلاء يريدون التفريق بين الله وبين رسله. فإن من تولى الله حقيقة تولى جميع رسله، لأن ذلك من تمام توليه، ومن عادى أحدا من رسله فقد عادى الله، وعادى جميع رسله كما قال تعالى: من كان عدوا لله الآيات [البقرة: 98]. وكذلك من كفر برسول فقد كفر بجميع الرسل، بل بالرسول الذي يزعم أنه به مؤمن، ولهذا قال: { أولئك هم الكافرون حقا } وذلك لئلا يتوهم أن مرتبتهم متوسطة بين الإيمان والكفر. ووجه كونهم كافرين - حتى بما زعموا الإيمان به - أن كل دليل دلهم على الإيمان بمن آمنوا به موجود هو أو مثله، أو ما فوقه للنبي الذي كفروا به، وكل شبهة يزعمون أنهم يقدحون بها في النبي الذي كفروا به موجود مثلها أو أعظم منها فيمن آمنوا به. فلم يبق بعد ذلك إلا التشهي والهوى ومجرد الدعوى التي يمكن كل أحد أن يقابلها بمثلها، ولما ذكر أن هؤلاء هم الكافرون حقا، ذكر عقابا شاملا لهم ولكل كافر، فقال: { وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } كما تكبروا عن الإيمان بالله، أهانهم بالعذاب الأليم المخزي. { والذين آمنوا بالله ورسله } وهذا يتضمن الإيمان بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وبكل ما جاءت به الرسل من الأخبار والأحكام. { ولم يفرقوا بين أحد } من رسله، بل آمنوا بهم كلهم، فهذا هو الإيمان الحقيقي، واليقين المبني على البرهان. { أولئك سوف يؤتيهم أجورهم } أي: جزاء إيمانهم، وما ترتب عليه من عمل صالح، وقول حسن، وخلق جميل، كل على حسب حاله. ولعل هذا هو السر في إضافة الأجور إليهم، { وكان الله غفورا رحيما } يغفر السيئات ويتقبل الحسنات.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ١٥٠–١٥٢) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يتوعد [تبارك و] (1) تعالى الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى، حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، بمجرد التشهي والعادة، وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية. فاليهود -عليهم لعائن الله- آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم، والسامرة لا يؤمنون بنبي بعد يوشع خليفة موسى بن عمران، والمجوس يقال: إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم يقال له (2) زرادشت، ثم كفروا بشرعه، فرفع من بين أظهرهم، والله (3) أعلم. والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء، فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانا شرعيا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية؛ ولهذا قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله} فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} أي: في الإيمان {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} أي: طريقا ومسلكا. ثم أخبر تعالى عنهم، فقال: {أولئك هم الكافرون حقا} أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه، لو نظروا حق النظر في نبوته. وقوله: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} أي: كما استهانوا بمن كفروا به إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

اليهود والنصارى {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} [النساء: 150] بأن يكذبوا رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه بوحيه، ويزعمون أنهم افتروا على ربهم، وذلك هو معنى إرادتهم التفريق بين الله ورسله، بنحلتهم إياهم الكذب والفرية على الله، وادعائهم عليهم الأباطيل. {ويقولون نؤمن ببعض} [النساء: 150] يعني أنهم يقولون: نصدق بهذا ونكذب بهذا، كما فعلت اليهود من تكذيبهم عيسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم وتصديقهم بموسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم، وكما فعلت النصارى من تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم وتصديقهم بعيسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم. {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} [النساء: 150] يقول: " ويريد المفرقون بين الله ورسله، الزاعمون أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٦٣٤) ↗

التحرير والتنوير

إن تبدوا خيرا أو تخفوه إلا إذا خصص ذلك بإبداء الخير لمن ظلمهم، وإخفائه عمن ظلمهم. وفي الحديث «أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك» . [150- 152] 152] إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152) عادة القرآن عند التعرض إلى أحوال من أظهروا النواء للمسلمين أن ينتقل من صفات المنافقين، أو أهل الكتاب، أو المشركين إلى صفات الآخرين، فالمراد من الذين يكفرون بالله ورسله هنا هم اليهود والنصارى، قاله أهل التفسير. والأظهر أن المراد به اليهود خاصة لأنهم المختلطون بالمسلمين والمنافقين، وكان كثير من المنافقين يهودا وعبر عنهم بطريق الموصول دون الاسم لما في الصلة من الإيماء إلى وجه الخير، ومن شناعة صنيعهم ليناسب الإخبار عنهم باسم الإشارة بعد ذلك. وجمع الرسل لأن اليهود كفروا بعيسى ومحمد- عليهما السلام-، والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فجمع الرسل باعتبار مجموع الكفار، أو أراد بالجمع الاثنين، أو أراد بالإضافة معنى الجنس فاستوى فيه صيغة الإفراد والجمع، لأن المقصود ذم من هذه صفتهم بدون تعيين فريق، وطريق العرب في مثل هذا أن يعبروا بصيغة الجموع وإن كان المعرض به واحدا كقوله تعالى: أم يحسدون الناس [النساء: 54] وقوله: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل [النساء: 37]

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٨) ↗