سورة النساء · الآية ١٤٧
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن مآل المنافقين، أنهم في أسفل الدركات من العذاب، وأشر الحالات من العقاب. فهم تحت سائر الكفار، لأنهم شاركوهم بالكفر بالله ومعاداة رسله، وزادوا عليهم المكر والخديعة، والتمكن من كثير من أنواع العداوة للمؤمنين، على وجه لا يشعر به ولا يحس. ورتبوا على ذلك جريان أحكام الإسلام عليهم، واستحقاق ما لا يستحقونه، فبذلك ونحوه استحقوا أشد العذاب، وليس لهم منقذ من عذابه، ولا ناصر يدفع عنهم بعض عقابه، وهذا عام لكل منافق، إلا من من الله عليهم بالتوبة من السيئات. { وأصلحوا } له الظواهر والبواطن { واعتصموا بالله } والتجأوا إليه، في جلب منافعهم ودفع المضار عنهم. { وأخلصوا دينهم } الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان { لله }. فقصدوا وجه الله بأعمالهم الظاهرة والباطنة، وسلموا من الرياء والنفاق، فمن اتصف بهذه الصفات { فأولئك مع المؤمنين } أي: في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة. { وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما } لا يعلم كنهه إلا الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وتأمل كيف خص الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع دخولهما في قوله: { وأصلحوا } لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح، لشدة الحاجة إليهما، خصوصا في هذا المقام الحرج الذي يمكن من القلوب النفاق، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار إليه في دفعه، وكون الإخلاص مناف كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما وتوقف الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما. وتأمل كيف لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين لم يقل: وسوف يؤتيهم أجرا عظيما، مع أن السياق فيهم. بل قال: { وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما } لأن هذه القاعدة الشريفة - لم يزل الله يبدئ فيها ويعيد، إذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن يرتب عليه ثوابا أو عقابا وكان ذلك مشتركا بينه وبين الجنس الداخل فيه، رتب الثواب في مقابلة الحكم العام …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… بربه في جميع أمره، فقال: {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله} أي: بدلوا الرياء بالإخلاص، فينفعهم العمل الصالح وإن قل. قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أخلص دينك، يكفك القليل من العمل" (4) . {فأولئك مع المؤمنين} أي: في زمرتهم يوم القيامة {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} ثم قال مخبرا عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم، فقال: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} أي: أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله، {وكان الله شاكرا عليما} أي: من شكر شكر له ومن آمن قلبه به علمه، وجازاه على ذلك أوفر الجزاء. قال [علي] (1) بن أبي طلحة عن ابن عباس: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوما، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: {إلا من ظلم} وإن صبر فهو خير له. وقال (2) أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن عائشة قالت: سرق لها شيء، فجعلت تدعو عليه، فقال النبي (3) صلى الله عليه وسلم "لا تسبخي عنه" (4) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٤٤٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٦٢٣) ↗التحرير والتنوير
ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) تذييل لكلتا الجملتين: جملة إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار مع الجملة المتضمنة لاستثناء من يتوب منهم ويؤمن، وما تضمنته من التنويه بشأن المؤمنين من قوله: وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما [النساء: 146] . والخطاب يجوز أن يراد به جميع الأمة، ويجوز أن يوجه إلى المنافقين على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ارتفاقا بهم. والاستفهام في قوله: ما يفعل الله بعذابكم أريد به الجواب بالنفي فهو إنكاري، أي لا يفعل بعذابكم شيئا. ومعنى يفعل يصنع وينتفع، بدليل تعديته بالباء. والمعنى أن الوعيد الذي توعد به المنافقون إنما هو على الكفر والنفاق، فإذا تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله غفر لهم العذاب، فلا يحسبوا أن الله يعذبهم لكراهة في ذاتهم أو تشف منهم، ولكنه جزاء السوء، لأن الحكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الإحسان بالإحسان، وعلى الإساءة بالإساءة، فإذا أقلع المسيء عن الإساءة أبطل الله جزاءه بالسوء، إذ لا ينتفع بعذاب ولا بثواب، ولكنها المسببات تجري على الأسباب. وإذا كان المؤمنون قد ثبتوا على إيمانهم وشكرهم،. وتجنبوا موالاة المنافقين والكافرين، فالله لا يعذبهم، إذ لا موجب لعذابهم. وجملة وكان الله شاكرا عليما اعتراض في آخر الكلام، وهو إعلام بأن الله لا يعطل الجزاء الحسن عن الذين يؤمنون به ويشكرون نعمه الجمة، والإيمان بالله وصفاته أول درجات شكر العبد ربه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٢٤٥) ↗